> عدن «الأيام» خاص:

  • الريال يستعيد نصف قيمته خلال 4 أيام وسط مخاوف من انتكاسة مخيفة
> تشير التطورات الأخيرة بالعاصمة عدن إلى أن سلطات الأمر الواقع، المتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة الشرعية اليمنية، وجدت نفسها أمام هاجس حقيقي يتمثل في احتمال انفجار غضب شعبي واسع، على غرار موجة الاحتجاجات التي شهدتها حضرموت مؤخرًا.

المخاوف بدت ملموسة في سلوك هذه السلطات التي سارعت إلى اتخاذ إجراءات وُصفت بـ"الحاسمة" ضد الفساد والفاسدين في مؤسسات الدولة المحلية، في محاولة واضحة لامتصاص أي موجة احتجاج قبل وصولها إلى شوارع عدن.

اللافت أن هذه الخطوات، التي شملت إيقاف مؤسسات وشركات مصرفية متهمة بالفساد، وإعلان حملات رقابية على مؤسسات مالية وإدارية، انعكست بشكل سريع على الوضع الاقتصادي، حيث شهد الريال اليمني تحسنًا ملحوظًا خلال أربعة أيام فقط، مستعيدًا نحو نصف قيمته المفقودة أمام العملات الأجنبية. هذا التحسن السريع عزز الانطباع بأن الانهيار السابق للعملة كان مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بشبكات فساد مالية متغلغلة في هياكل السلطة.

لكن ما كشفته هذه التطورات، ربما كان أخطر من التحسن الاقتصادي المؤقت؛ إذ برزت مؤشرات على وجود لوبيات فساد عميقة ومتشابكة داخل شريكي السلطة في عدن، تعمل منذ سنوات على إضعاف مؤسسات الدولة ونهب مواردها، وتستفيد من غياب المحاسبة وضعف الرقابة. وهذه اللوبيات لا تكتفي بتكديس الثروات، بل تمارس نفوذاً سياسياً يعيق أي إصلاح حقيقي، ما يجعل أي إجراءات إصلاحية عرضة للتراجع إذا زال الضغط الشعبي أو السياسي.

ويبدي مواطنون مخاوف من أن الخطوات الحالية في عدن أقرب إلى كونها "معالجات وقتية" لاحتواء الشارع، أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً في نهج إدارة الدولة، وهو ما يثير التساؤل حول مدى قدرة السلطة على الاستمرار في مواجهة هذه الشبكات، خصوصاً مع غياب إرادة سياسية شاملة لكسر منظومة الفساد المتجذرة.

واستعاد الريال اليمني نحو 50 في المائة من قيمته في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية خلال أيام، وسط جهود مركزية ومحلية مكثفة لضبط أسعار السلع، بما يتناسب مع هذا التحسن في سعر العملة المحلية أمام العملات الصعبة.

ووفق ما أكّدته مصادر مصرفية في العاصمة عدن، سجّل سعر صرف الريال السعودي، أمس السبت، نحو 380 ريالا، بعدما كان قد بلغ قرابة 770 ريالا، ما مثّل تحسنًا ملحوظًا أثار آمالاً في أوساط المواطنين بشأن إمكانية تراجع أسعار السلع الأساسية التي شهدت ارتفاعات متتالية خلال الأشهر الماضية.

وجاء التحسن المتسارع لقيمة العملة اليمنية على وقع تدخلات مباشرة للبنك المركزي اليمني، تمثل أبرزها في سحب تراخيص 24 شركة صرافة بتهمة التلاعب بسعر الصرف، إلى جانب اتخاذ قرارات تنظيمية لتعزيز الرقابة على السوق المصرفية بالتنسيق مع البنوك التجارية ومؤسسات التحويلات المالية.

وعبّر سكان في عدن وتعز وحضرموت عن أملهم بأن تنعكس هذه الحملة الحكومية على واقعهم المعيشي سريعاً، بعد أن أرهقتهم موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.

ويقول عبد الله، وهو موظف حكومي في عدن، إن راتبه لم يعد يساوي شيئاً لشراء الأساسيات في ظل ارتفاع الدولار، مضيفًا: «نتمنى أن تلتزم الأسواق بالتسعيرات المخفضة، فالتحسن في سعر الصرف دون رقابة على الأسواق لا يغير شيئًا».

أما نبيلة، وهي ربة منزل في تعز، فعبّرت عن تفاؤل حذر، مشيرة إلى أن «الحملات السابقة غالبًا ما كانت تتوقف دون نتائج»، وتضيف بالقول: «نأمل هذه المرة أن تكون هناك محاسبة حقيقية للمتلاعبين».

وعلى الرغم من هذا التحسن الملموس، يقول خبراء اقتصاديون إن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها تذبذب تدفقات النقد الأجنبي، وتعطل صادرات النفط بسبب هجمات الحوثيين، إضافة إلى ضعف مؤسسات الدولة في بعض المحافظات، وتداخل الصلاحيات بين الجهات التنفيذية.

ويؤكد المحللون أن نجاح الحكومة في ترجمة تعافي الريال إلى تحسن حقيقي في حياة اليمنيين سيتوقف على قدرتها على الاستمرار في الإجراءات الرقابية، وملاحقة المتلاعبين بالأسواق، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيئة اقتصادية آمنة للقطاع الخاص والمستهلك على حد سواء.

يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي أن هذا التحسن المفاجئ في سعر الريال اليمني لا يمكن اعتباره تحسناً حقيقياً يعكس مؤشرات اقتصادية متينة.

ويصف ما حدث بأنه «أقرب إلى تحرك صادم في السوق سببه مزيج من الإجراءات التنظيمية المؤقتة، مثل إيقاف تراخيص عدد من شركات الصرافة، والتدخلات الظرفية من قبل البنك المركزي اليمني، بالإضافة إلى انتقال بعض الأنشطة المصرفية من صنعاء إلى عدن، ما زاد العرض المؤقت من العملة الأجنبية في السوق».

ويجزم المساجدي أن هذا التحسن لا يستند إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، إذ لم تتغير المعطيات الجوهرية، حيث لا توجد منح أو دعم خارجي جديد، كما أن المساعدات الإنسانية تتناقص، وتحويلات المغتربين لم تشهد قفزة نوعية.

ويشير الباحث الاقتصادي إلى أن عجز الحساب الجاري ما زال قائماً بمستوى مرتفع يُقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يجعل من أي تحسن في سعر الصرف دون معالجة هذا العجز مجرد هدنة قصيرة الأجل.

ويوضح المساجدي بالقول: «نحن أمام حالة تحسن سعر صرف غير قابلة للصمود، ما لم تترافق مع إصلاحات هيكلية، واستعادة حقيقية للموارد، ودعم مباشر من شركاء اليمن الإقليميين والدوليين».

ويحذر من أن استمرار الرهان على أدوات محدودة وظرفية سيؤدي إلى ارتداد حادّ في السوق، يعرّض القطاع المصرفي لمزيد من الضغوط، ويضاعف من الأثر المعيشي على المواطنين. وفق تقديره.