في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، من التقنية إلى الأزمات، لا شيء يبدو أكثر رعبًا من جوعٍ يُصنَع عمدًا، ويُدار بخيوط غير مرئية تمتد من العواصم الكبرى إلى الأكواخ الفقيرة في ضواحي الجنوب العالمي. لم تعد المجاعات مجرد نتاج طبيعي لتغيّرات مناخية أو صراعات محلية، بل تحولت إلى أدوات ضغط وتصفية وتحكم تدار ببرودة تامة من نخب عالمية تعرف تمامًا متى تشعل النار ومتى تطفئها. في هذا السياق، يبدو أن "التجويع" لم يعد حادثًا عرضيًا، بل استراتيجية سياسية واقتصادية شاملة، ضحاياها ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل بشرٌ حقيقيون تتآكل أجسادهم يومًا بعد يوم.

من إفريقيا إلى الشرق الأوسط، ومن أميركا اللاتينية إلى آسيا، يتكرر المشهد: ارتفاع أسعار الغذاء، انهيار العملات المحلية، سيطرة حفنة من الشركات العملاقة على سلاسل الإمداد، وتهميش صغار المنتجين والمزارعين. ينهار الريف، ويُدفع الملايين نحو الهجرة، ثم تُغلق الأبواب في وجوههم وتُبنى الأسوار الحديدية. في الوقت ذاته، تقف الحكومات عاجزة أو متواطئة، بينما تتقافز النخب المالية على جثث الشعوب في بورصات الغذاء والعملات.

تُصادر الثروات، ويُمنع الاكتفاء الذاتي، وتُدمَّر الأنظمة الزراعية التقليدية، لا لأن هذه السياسات خاطئة فحسب، بل لأنها جزء من "هندسة التجويع" التي تُعيد تشكيل خريطة العالم السكانية والاقتصادية. إن الجوع هنا لا يعني فقط انعدام الطعام، بل يعني خنق الخيارات، وتجميد الإرادات، وتحويل المجتمعات إلى كيانات مهدورة غير قادرة على التفكير إلا في ما يسد الرمق.

في قلب هذا المشهد، تتضاعف أرقام النزوح والهجرة، ليس بسبب القتال وحده، بل لأن المعيشة صارت مستحيلة. ملايين البشر يهربون من مناطقهم الزراعية التي تحولت إلى أراضٍ قاحلة، ليس بفعل الطبيعة، بل بفعل سياسات الإهمال والتجريف المتعمد للموارد. مصانع تُغلق، مزارع تُفلس، مدارس تتساقط، وشباب يفقد أي أمل في وطن لا يطعمه ولا يحميه.

السؤال الأخطر هنا: من المستفيد؟ من يدير هذا الجنون؟ ولماذا تبدو بعض الدول وكأنها محصنة تمامًا من هذه الكوارث؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها واضحة لمن يتأمل المشهد بدقة. هناك من يراهن على أن انهيار المجتمعات سيُنتج أسواقًا رخيصة، ويدًا عاملة مذعورة، وأن الدول المنهكة لن تمانع لاحقًا في بيع موانئها وثرواتها مقابل كيس طحين أو شحنة وقود.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن التجويع بدأ يتحول إلى "أداة عقاب جماعي"، تُستخدم ضد الشعوب حين تتمرد، أو حين ترفع صوتها. من سوريا إلى اليمن، من غزة إلى السودان، نجد نمطًا متكررًا: حصار، منع للمواد الأساسية، تلاعب بالعملة، ثم اتهام الضحية بالعجز والفساد.

في الجنوب اليمني، يتكرر السيناريو ذاته، ولكن بوجه آخر. تنكمش الدولة وتتوسع الفوضى، بينما تتسع شهية القلة للهيمنة على كل شيء، وتغيب أي سياسة واضحة للإنقاذ. يتمدد التجار ويتقلص المواطن، وتتحول المساعدات إلى صكوك ولاء، وتُحرم المحافظات من أبسط مقومات البقاء. في ظل هذا الوضع، لا عجب أن تتحول عدن من مدينة تتنفس التجارة والانفتاح، إلى مدينة تتنفس القهر اليومي.

إن ما نراه اليوم ليس أزمة طعام، بل أزمة نظام عالمي يقوده الجشع، ويغلف أهدافه بشعارات التنمية والحرية والسوق. لكن الشعوب بدأت تستيقظ، والغضب يتراكم تحت الرماد. وإذا كانت القوى الكبرى تراهن على ذاكرة قصيرة، فإن الجوع لا يُنسى، والجائع لا يغفر.

ربما لا يستطيع الصحفي أن يوقف هذا الطوفان، لكنه يستطيع أن يشير إليه، أن يُسمّيه باسمه، أن يُحمّل المسؤولية لأصحابها، أن يقول للناس: هذا ليس قدَرًا، بل مخططٌ يجري على نارٍ هادئة.

وفي زمن الخوف، فإن الكلمة الحرة أشد من الرصاصة. والجائع حين يصرخ، لا يطلب الطعام فقط، بل يطلب كرامته المسروقة، وتاريخه المسلوب، ومستقبله المختطف.