​في الوقت الذي يُعلن فيه البنك المركزي في العاصمة عدن عن تثبيت سعر صرف العملات الأجنبية، وتكثّف فيه السلطات المحلية ومكاتب الصناعة والتجارة من حملاتها لضبط الأسعار، يظل السؤال الجوهري معلّقًا: هل المشكلة في البقال الصغير؟ أم في منظومة التوريد والاحتكار التي تبدأ من رأس السوق، لا من ذيله؟

الواقع أن كثيرًا من أصحاب البقالات ومحلات التموين ليسوا المتحكّمين الفعليين في الأسعار، بل يخضعون لتسعيرة يفرضها الوكيل الرئيسي، الذي يمررها عبر وكلاء فرعيين حتى تصل إلى يد التاجر الصغير. وإذا كان هناك قرار حقيقي بضبط الأسعار، فالأجدر أن تبدأ الرقابة بتسعيرة كبار الوكلاء والمستوردين، لا الباعة الذين يقفون في آخر السلسلة. ولعل السوق المركزي في المنصورة يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحكم؛ وكيل واحد أو مجموعة محدودة تتحكم بالسوق وتفرض واقعًا تسعيريًا منفصلًا تمامًا عن قرارات البنك المركزي أو معاناة المواطن.

وكذلك بعض محلات الحلويات العالمية التي تحدد أسعارها وفق مزاجها، مستغلّة ضعف الرقابة، ومتحررة من أي التزام تجاه السلطة أو المجتمع.

أمام هذا الواقع، لا يلمس المواطن البسيط أي أثر لتثبيت سعر الصرف، ويظل يُرهق يوميًا من الأسعار الجنونية. وهنا تبرز الحاجة العاجلة إلى توطين القرار الاقتصادي، أي أن يُعاد بناء منظومة السوق لتكون خاضعة لعدن وسلطاتها، لا مرهونة لتجار حددوا عمر وجودهم فيها بثلاثين سنة منذ (الوحدة غير المباركة).

كما أود التأكيد على أن الغرفة التجارية والصناعية في عدن لا تقوم على المحاصصة في الأرباح أو التمثيل، بل على الكفاءة والقدرة على إدارة الواقع التجاري. ومن غير المقبول أن تظل عدن رهينة لدى بيوت تجارية ترى وجودها فيها مؤقتًا، بينما تُغلق الأبواب في وجه رؤوس أموال تبحث عن شراكة حقيقية طويلة الأجل.

ولست ممن يعادون رأس المال، محليًا كان أو خارجيًا، بل أدعو إلى فتح عدن أمام الاستثمارات المستدامة، أمام شركات لا تحدد نشاطها بزمن أو مكسب سريع، بل تراها جزءًا من مستقبل المدينة، لا مجرد فرصة مؤقتة.

عدن اليوم بحاجة إلى قرار اقتصادي مستقل، وعدالة تجارية تبدأ من رأس السوق، لا من ضحاياه. إذا أردنا لتثبيت سعر الصرف أن يتحوّل إلى تغيير حقيقي في حياة الناس، فعلينا أن نبدأ بتنظيم السوق من الأعلى، وتحرير عدن من قبضة الاحتكار، وتكريس سيادة القرار المحلي.

عدن ليست مشروعًا مؤقتًا لأحد، بل شراكة طويلة الأمد لمن يؤمن بها.