> عدن "الأيام" خاص:
ي كل زاوية من زوايا عدن، وفي كل منعطف جبلي أو لسان بحري، تجد حكاية دفينة لا يُنفض غبار الزمن عنها إلا على لسان العارفين بعراقة المدينة وسحرها. وبين هؤلاء، يبرز المدون والباحث في التراث العدني علي أحمد با نافع، الذي يأخذنا في هذه السطور إلى قلب المعاشيق وصيرة، ليروي ما لم تُوثّقه كتب، بل ما عاشه وسمعه وتنعّم بجماله وتجرّع ألمه.

وكان هذا المكان، حتى أواخر السبعينات، مفتوحًا للعامة، قبل أن يتحول إلى مقر إقامة الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني عبد الفتاح إسماعيل، مما فرض وجود حراسة أمنية حدّت من حرية التنقل فيه.
ويضيف با نافع أن من المعاشيق كان يُفضي ممر جبلي إلى خليج “أبو الوادي”، وهو شريط ساحلي هلالي الشكل، مزيّن برمال بيضاء ناعمة، سُمّي باسم ولي صالح كان مدفونًا هناك. وعلى الرغم من وعورة الممر، إلا أن العائلات العدنية لم تكن لتتردد في التوافد إلى هذا الخليج لقضاء عطلات نهاية الأسبوع.

عند مدخل صيرة، تقابلك مبنيان حديثان نسبياً، يعتقد بانافع أنهما شيّدا قبيل الاستقلال، لكن لم ينعم أصحابهما بهما طويلاً، إذ طالهما التأميم مثل غيرهما من ممتلكات المدينة. وإلى جوارهما، تظهر فلة مهجورة تحيطها هالة من التشاؤم، يروي بانافع أن الناس كانت تتشاءم حتى من النظر إليها، فقد كانت مقر إقامة وزير أمن الدولة محسن الشرجبي بعد الاستقلال، وكأنها كانت تجسيدًا للرهبة السياسية.
"كان مرسى الهواري يعج بالحياة"، يتذكر با نافع، "ترى القوارب تعود بما قسم الله، والرجال يُجدّفون بسواعدهم السمراء، والآخرون يرقعون شباكهم أو يملّحون صيدهم، والقطط تحوم حولهم، والنوارس مصطفة في مشهد لا ينسى."

"كانوا يلاحقون حتى الأسماك الطازجة"، يقولها بانافع بمرارة، "يصادرونها من المواطنين لأن النظام فرض أن لا تُباع إلا عبر التعاونية، التي بدورها تصدّر الجيد وتترك للناس البقايا المجمدة."
وعند مغادرة مرسى الهواري، يجد الزائر نفسه أمام الجسر الذي يربط صيرة اليابسة بجزيرتها، جسر ضيق لا تمر فيه إلا سيارة واحدة في كل مرة، لكنه يحمل رمزية كبرى، فقد ربط صيرة بكريتر وأصبحت امتدادًا حيًا لها.
في المساء، يتحول هذا الجسر إلى مكان لعشاق صيد السمك، حيث يصطف الهواة ويُلقون صناراتهم في المياه العميقة. وهناك أيضًا تنعقد الندوات التحليلية غير الرسمية بعد كل مباراة في الدوري العدني، حيث يتحول الجسر إلى استوديو مفتوح.
يتذكر با نافع أحد وجوه هذا المشهد الرياضي، رجل الأعمال المعروف "بن حديج"، من أبناء المحفد، بكوفيته الزنجبارية وهيئته الراقية، كان يجلس هناك ليحلّل مجريات المباراة، متأثرًا بما شاهده من تحليل مباريات الدوري الإنجليزي في بريطانيا. "كان يرفع من مستوى النقاش ويغرس فينا قيمة التحليل الرياضي العميق"، يقول با نافع بأسى على رحيله.
ختامًا.. صيرة ولا المعاشيق هما امتداد روحي وتاريخي ووجداني لعدنيين عاشوا فيها، وأحبّوها، وبكوا عليها. من خلال ذاكرة حية مثل ذاكرة علي أحمد با نافع، تُكتب هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تعني شيئًا على الورق الرسمي لكنها تشكل النسيج الحقيقي للمدينة، تلك التي تأبى النسيان، وتُحفر في الذاكرة كما تُحفر الأمواج على صخورها.
- عشق العشاق ومراسي السفن
المعاشيق، كما يصورها بانافع، ليست سوى جبل بارز داخل البحر، يشكل مع الجبل المقابل خليج حقات، وكان لموقعه الاستراتيجي أهمية بحرية، إذ أُقيم عليه فنار لإرشاد السفن القادمة إلى الميناء. وبعد أن جذب موقعه الخلاب انتباه رجل الأعمال البريطاني أنتوني بس، أقام فيه مسكنًا، وتم شق طريق إسفلتي إليه رغم ضيقه الشديد، حيث لا يسع إلا لسيارة واحدة في كثير من المقاطع.

وكان هذا المكان، حتى أواخر السبعينات، مفتوحًا للعامة، قبل أن يتحول إلى مقر إقامة الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني عبد الفتاح إسماعيل، مما فرض وجود حراسة أمنية حدّت من حرية التنقل فيه.
ويضيف با نافع أن من المعاشيق كان يُفضي ممر جبلي إلى خليج “أبو الوادي”، وهو شريط ساحلي هلالي الشكل، مزيّن برمال بيضاء ناعمة، سُمّي باسم ولي صالح كان مدفونًا هناك. وعلى الرغم من وعورة الممر، إلا أن العائلات العدنية لم تكن لتتردد في التوافد إلى هذا الخليج لقضاء عطلات نهاية الأسبوع.
- صيرة.. حارس الهوية
يتحدث بانافع عن صيرة كما يتحدث شاعر عن معشوقته. يقول: "اسمها قصير لكن وقعها عميق. صيرة رمز للشجاعة والإباء، وميناؤها التاريخي أوصل عدن إلى مصاف العالمية، وجعلها مطمعًا لكل طامع."

عند مدخل صيرة، تقابلك مبنيان حديثان نسبياً، يعتقد بانافع أنهما شيّدا قبيل الاستقلال، لكن لم ينعم أصحابهما بهما طويلاً، إذ طالهما التأميم مثل غيرهما من ممتلكات المدينة. وإلى جوارهما، تظهر فلة مهجورة تحيطها هالة من التشاؤم، يروي بانافع أن الناس كانت تتشاءم حتى من النظر إليها، فقد كانت مقر إقامة وزير أمن الدولة محسن الشرجبي بعد الاستقلال، وكأنها كانت تجسيدًا للرهبة السياسية.
- قهوة "المزقول" ومخبازة الذكريات
- مرسى الهواري: حيث تنام الأسماك وتصحو الذاكرة
"كان مرسى الهواري يعج بالحياة"، يتذكر با نافع، "ترى القوارب تعود بما قسم الله، والرجال يُجدّفون بسواعدهم السمراء، والآخرون يرقعون شباكهم أو يملّحون صيدهم، والقطط تحوم حولهم، والنوارس مصطفة في مشهد لا ينسى."
لكن تلك الحياة لم تدم على حالها. يروي بانافع حادثة عاشها بنفسه مع ابن عمه أحمد أبو بكر بانافع، حين شاهدا قاربًا يعود تحت جنح الليل، ليتبادل راكبه سمكة "الديرك" مع أحد المواطنين في عملية بيع سريعة، سرعان ما داهمتها سيارة الشرطة الشهيرة في كريتر، "لاندروفر فستقي"، بعدما تم التبليغ عن عملية البيع، المحرّمة حينها خارج قنوات التعاونيات الرسمية.

"كانوا يلاحقون حتى الأسماك الطازجة"، يقولها بانافع بمرارة، "يصادرونها من المواطنين لأن النظام فرض أن لا تُباع إلا عبر التعاونية، التي بدورها تصدّر الجيد وتترك للناس البقايا المجمدة."
وعند مغادرة مرسى الهواري، يجد الزائر نفسه أمام الجسر الذي يربط صيرة اليابسة بجزيرتها، جسر ضيق لا تمر فيه إلا سيارة واحدة في كل مرة، لكنه يحمل رمزية كبرى، فقد ربط صيرة بكريتر وأصبحت امتدادًا حيًا لها.
في المساء، يتحول هذا الجسر إلى مكان لعشاق صيد السمك، حيث يصطف الهواة ويُلقون صناراتهم في المياه العميقة. وهناك أيضًا تنعقد الندوات التحليلية غير الرسمية بعد كل مباراة في الدوري العدني، حيث يتحول الجسر إلى استوديو مفتوح.
يتذكر با نافع أحد وجوه هذا المشهد الرياضي، رجل الأعمال المعروف "بن حديج"، من أبناء المحفد، بكوفيته الزنجبارية وهيئته الراقية، كان يجلس هناك ليحلّل مجريات المباراة، متأثرًا بما شاهده من تحليل مباريات الدوري الإنجليزي في بريطانيا. "كان يرفع من مستوى النقاش ويغرس فينا قيمة التحليل الرياضي العميق"، يقول با نافع بأسى على رحيله.
ختامًا.. صيرة ولا المعاشيق هما امتداد روحي وتاريخي ووجداني لعدنيين عاشوا فيها، وأحبّوها، وبكوا عليها. من خلال ذاكرة حية مثل ذاكرة علي أحمد با نافع، تُكتب هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تعني شيئًا على الورق الرسمي لكنها تشكل النسيج الحقيقي للمدينة، تلك التي تأبى النسيان، وتُحفر في الذاكرة كما تُحفر الأمواج على صخورها.

















