في مثل هذا الشهر (أغسطس) من عام 1957، أبصرت النور صحيفة "الأيام"، فكانت كالفجر الذي انبثق من بين ضلوع الحرف، لتنير دروب الوعي وتؤسس لمدرسة صحفية رصينة، لا تزال، بعد 67 عامًا، تحتفظ بجذوتها المشتعلة بين الصحف، رغم كل ما مرّ على البلاد من تحولات وعواصف.
فما أعظم بدايته حين كانت كلمتها سلاحًا، ضد الاستعمار ومهنيتها ميثاقًا، ووطنيتها التزامًا لا شعارًا، هذا ما أدركه وعمل به مبكرًا الراحل الكبير الأستاذ محمد علي باشراحيل، حين أسّس "الأيام" برؤية لا تهادن، وبقلم لا يساوم، فكانت الصحيفة منبرًا للحق، ومدرسة للحرف الملتزم، ومؤسسة ذات حضور لا يُخطئه الوعي الجمعي.
ولم تخبُ تلك الشعلة الملتهبة، بل امتد وهجها حين حمل الراية من بعده نجله الراحل هشام محمد علي باشراحيل، الذي واصل المسير بذات العزيمة، وبإيمانٍ راسخ بأن الصحافة رسالة لا تورّث فقط، بل تُصان وتُطوّر، فقد واجه هشام باشراحيل أصعب المراحل وأكثرها اضطرابًا، لكنه ظل كالجبال الرواسي ثابتًا وشموخًا، يكتب على جدار الزمن سيرة رجل لا ينكسر أما الساسة، وصحيفة لا تغيب عن الساحة.
لقد قدّمت "الأيام" أنموذجًا متفرّدًا في المهنية، فكانت لكل من التحق بها بيتًا ومعهدًا وصوتًا. وأنا - الدباء - ممن نالوا شرف الانتماء إلى هذه القلعة، حين التحقت بالصحيفة في العام 2007، وكانت هي مدرستي الصحفية الأولى، التي تعلمت فيها أبجديات الصحافة، وتمرست على أصول المهنة، في بيئة تحترم الكلمة، وتُقدّس الحقيقة، وتُعلي من شأن النزاهة والمهنية.
في "الأيام"، لم يكن الانتماء لها مجرد وظيفة، بل التزامًا أخلاقيًا، وولاءً للحقيقة، وتماهٍ مع روح صحيفة وُلدت من رحم النضال والكلمة الحرة، وقد كانت الأيام بحق، نهرًا يتدفق بالمعرفة، وجسرًا يربط بين الأجيال، ومدرسة خرّجت نخبة من القامات الصحفية التي تركت بصمتها في أرجاء الوطن.
وفي ذكراها (68) نقف بإجلال أمام تضحيات المؤسسين، ونقرأ صفحات المجد التي سطّرها الأولون ومن خلفهم الأستاذين تمام محمد علي باشراحيل وباشراحيل هشام محمد باشراحيل والإجلاء أبنائهم، وتعهد وتعاهد الأجيال (الباشراحيلة) بأن تبقى "الأيام" وفية لقيم الصحافة التي أرادوها منبرًا للناس، ومرآةً للواقع.


















