كنت أجده عند أستاذي أحمد سالم الحنكي في صحيفة 14 أكتوبر، كان فتئ صغيرًا جميلًا، لم يكن أحمد يصطحب أحدًا معه حين كان في مجلة الجندي، وكنت أتردد على بيتهم في الفتح وكان كريمًا صغيرًا جدًّا.

عبدالناصر أصغر مني جدًّا ولكني أتحدث معه، وكذا الضابط في الجيش والمثقف السفير فيما بعد.. عبدالله سالم الحنكي كنا نتحدث ويصافحني بحرارة كلما ذهبت بيتهم ثم كنا نلتقي في المكلا وفي بيتي وغرفتي الصغيرة كلما مر بالمكلا أثناء عمله بالمهرة، وكذا والدهم الشيخ العم سالم الذي أحبني وأعجب بما أكتب، كان هذا من حكاية آل الحنكي الكرام منذ بداية سبعينات القرن الماضي، وحين شغلت مراسل مجلة الجندي واكتب التقارير والقصة في المجلة زادت علاقتي بالأستاذ الكاتب الكبير أحمد سالم وكانت الجندي مقصدي فور أن أهبط من طائرة الأنتينوف العسكرية بمطار بدر فهم يسمحون لي بركوبها ببطاقة صحيفة الجندي من المكلا إلى عدن وعبر واسطة عند العكس.

عرفت كريم وهو يكبر ويقول الشعر ولكنني لم التقيه كثيرًا؛ لكنني كنت أحبه كثيرًا، كان هادئًا وفيلسوفًا في شعره، كنت أجد عبدالناصر شقيقه في الثوري وأحمد سالم وسعدي يوسف في المسار، وظل الشاب الحنكي شاغلًا بالي وحين كبر حكيت له أنني أعرف كل أهله وحين وجدني في مؤتمر الأدباء والكتاب اليمنيين الذي انعقد في عدن، أمسك بي سألته عنهم، وأراد هو أن يسألني بضعة أسئلة أجبته، وظل طوال فترة انعقاد الجلسات بخور مكسر يقترب مني ولم يتركني إلا وأتى نحوي إذ بدا لي أنه أحس إنني وفيًّا في محبتي ووفائي لأحمد سالم أو عمق ما جمعني بأهله الكرام، ولكني كنت سعيدًا، أي والله سعيدًا به، فهو صاحب سريرة نقية ورشيقة وفيها حرية تزخر بها من كلامه ومحياه.

كريم الحنكي، الذي رحل من يومين ونجد أنفسنا في صدمة كبيرة.. رحمه الله كان يحكي لنا زمنه وكل المستقبل، هو لا يحمل تراكمات فوق ظهره ولكنه أصيب بالوجع من جور ما كان وصار وأصابهم فيما جرت من انشقاقات وأحداث مؤلمة مثلما أصابتني وضربت قلبي وكنت أنا وشقيقه عبدالناصر الحنكي وعبدالله في موسكو كلنا الثلاثة، وكلما قلنا أن نهدأ جد الزمن بجرح، ولله الحمد.

أجد كريم سالم الحنكي أخي وصديقي الشاعر الرقيق الجاد المتحفز فيلسوف صاعد وقد رحل وكلنا راحلون، ولكن أحسست بما أيقظ في مشاعر كثيرة جدًّا، أحببت هؤلاء أهل الجود والكرم الحنكيين في لحظة مبكرة من حياتي واتصلت الجسور متينة ما بين المكلا وعدن وزرعت لهم أشجارًا وزهورًا في قلبي ولازالت تنمو خضراء وفواحة، وزاد ودي لهم ومنهم أحمد سالم محمد بجم، وكنت أعطيه قسمًا زائدًا وغيره يقبل الزائد إذا زاد، رحمهم الله جميعًا.. إنا لله وإنا إليه راجعون.