> عدن «الأيام» خاص:
يقول المدون والمهتم بتراث عدن علي أحمد بانافع إن البداية دائمًا من عند البحر، "فهناك تولد الحكايات قبل أن تذروها الرياح على وجوه الناس". ويضيف: "كنتُ في صيرة، أدوس على أرض ملحية رطبة، فيما يمر أمامي صيادون بملابسهم المبتلة، بعضهم يستعد لرحلة صيد تحمل في طياتها مشقة ومخاطرة، وآخرون يعودون بابتساماتهم و"رزق اليوم" على أكتافهم".
ويتابع: "على طرف الطريق، عمارة قديمة تقف وحيدة، خالية من البشر، إلا أن الناس يقسمون أن سكانها الحقيقيين ليسوا من بني آدم. هي ملكٌ سابق لـ (الفارسي)، تحيط بها قصص عن الجان، وعن أناس جربوا السكن فيها لكنهم هربوا مذعورين بعد ليالٍ من مشاهدات لا تحتمل".
ويشير بانافع إلى أن "إلى اليمين يقف مصنع ثلج قديم تآكلت حديداته من الصدأ، وبالقرب منه بيوت التهمت الرطوبة جمالها، ومسجد صغير للصيادين والزوار. صيرة لا تصلح للسكن؛ رطوبة عالية، روائح سمك وبحر تتسلل إلى أنفك حتى تغلبك".
ويستطرد: "كان عليّ أن أتابع طريقي عبر ممر ضيق ملتصق بالجبل، حجارته حادة، يؤدي إلى (أبو دست)، مكان تحفه الأمواج والهواء المالح، جميل لكنه لا يسمح لك بالبقاء طويلًا. عدت أدراجي نحو صنادق الصيادين، حيث مبنى صغير كان ثلاجة لحفظ الصيد، وأمامها يتجمع هواة صيد (البنجيز) أو الحبار، يستخدمون (المصدع)، رمح مربوط بحبل، يطلقونه نحو الحبار، الذي يرد برشقة سوداء تشبه الحبر قبل أن يقع في الأسر. لا أعرف أصل كلمة (بنجيز)، لكنني أعرف أن هذا المكان نفسه أقيم فيه سور لمصنع ثلج أكبر، بعد أن ردم جزء من البحر".
ويضيف: "هناك طريق ضيق شُق في الجبل، لا تمر به إلا نادرًا سيارة، وبعده لا حياة تذكر، إلا مسلخ أبقار كما يُقال، لم أره بعيني. في رمضان، كنا نذهب بعد صلاة الفجر فنجد الروس قد سبقونا للصيد بأساليب حديثة، يغوصون إلى الأعماق مزودين بنظارات وكمامات وأنابيب تنفس، قريبًا من مصنع الثلج الكبير".
ويقول بانافع: "لكن الوجهة الأهم كانت القلعة، الشامخة فوق الجبل. طريقها وعر، ومع ذلك يقصده من يعينهم جسدهم وصحتهم. زرتها أول مرة دون أن أبلغ القلعة نفسها، توقفت عند ثكنات قديمة ومدفع أثري مهمل ألقي نحو (أبو دست)".
ويتابع: "لاحقًا، في 19 يناير 1982، وصلت القلعة أخيرًا، في رحلة مدرسية نظمها أستاذ الجغرافيا محمد –رحمه الله– لتذكيرنا بيوم أسود من تاريخ عدن: احتلالها عام 1839 على يد القبطان هنس، بذريعة واهية عن سفينة جنحت في ميناء صيرة".
ويضيف: "كان يناير حينها في أجمل حالاته، جو معتدل، أمطار خفيفة أيامًا متتالية، جبال عدن ترتدي الخضرة المؤقتة، والمدينة تعيش لحظة تشبه مشاهد سويسرا أكثر من حر عدن. انطلقنا صباحًا من المدرسة، طلابًا وطالبات، نحو صيرة، والضحكات تسبق خطانا. عند الجبل بدأ التسلق الشاق، وكان الخطر حاضرًا، خاصة حين كادت زميلة لنا تهوي من حافة الجرف لولا أن تداركها الزملاء في اللحظة الأخيرة".
ويشير إلى أن "عند القلعة، رأيت بناءً حجريًا مذهلًا: جدران ضخمة من أحجار مرصوصة بدقة، عكوف حجرية تحمل السقف، لا أخشاب إلا في شباك واحد يطل على كريتر. في الأرضية فتحة دائرية بإتقان عجيب، تنزل عبر سلم إلى مستودع مظلم. وعلى السطح، مدفع صدئ يطل على البحر، يجعل المرء يدرك حكمة من اختار هذه القمة موقعًا دفاعيًا. من هنا، كل الجهات مكشوفة".
ويختم بانافع بالقول: "كما أخبرنا أستاذ التاريخ نصيب، كان سقوط عدن مسألة وقت؛ مدافعها ثابتة، لا تدور إلا في اتجاه واحد، بينما الغزاة يمتلكون أسلحة متحركة وبوارج تتحكم بميدان المعركة. وحتى القواعد الحجرية لبعض المدافع نزعت، وترك بعضها يتدحرج نحو حافة الجبل. هكذا، بين الرطوبة وملح البحر وأصداء التاريخ، تبقى صيرة شاهدًا على وجوه عدن، من صيادي البنجيز إلى القلعة التي صمدت، ثم انكسرت، لكنها لم تفقد مكانتها في ذاكرة المدينة".
ويتابع: "على طرف الطريق، عمارة قديمة تقف وحيدة، خالية من البشر، إلا أن الناس يقسمون أن سكانها الحقيقيين ليسوا من بني آدم. هي ملكٌ سابق لـ (الفارسي)، تحيط بها قصص عن الجان، وعن أناس جربوا السكن فيها لكنهم هربوا مذعورين بعد ليالٍ من مشاهدات لا تحتمل".
ويشير بانافع إلى أن "إلى اليمين يقف مصنع ثلج قديم تآكلت حديداته من الصدأ، وبالقرب منه بيوت التهمت الرطوبة جمالها، ومسجد صغير للصيادين والزوار. صيرة لا تصلح للسكن؛ رطوبة عالية، روائح سمك وبحر تتسلل إلى أنفك حتى تغلبك".
ويستطرد: "كان عليّ أن أتابع طريقي عبر ممر ضيق ملتصق بالجبل، حجارته حادة، يؤدي إلى (أبو دست)، مكان تحفه الأمواج والهواء المالح، جميل لكنه لا يسمح لك بالبقاء طويلًا. عدت أدراجي نحو صنادق الصيادين، حيث مبنى صغير كان ثلاجة لحفظ الصيد، وأمامها يتجمع هواة صيد (البنجيز) أو الحبار، يستخدمون (المصدع)، رمح مربوط بحبل، يطلقونه نحو الحبار، الذي يرد برشقة سوداء تشبه الحبر قبل أن يقع في الأسر. لا أعرف أصل كلمة (بنجيز)، لكنني أعرف أن هذا المكان نفسه أقيم فيه سور لمصنع ثلج أكبر، بعد أن ردم جزء من البحر".
ويضيف: "هناك طريق ضيق شُق في الجبل، لا تمر به إلا نادرًا سيارة، وبعده لا حياة تذكر، إلا مسلخ أبقار كما يُقال، لم أره بعيني. في رمضان، كنا نذهب بعد صلاة الفجر فنجد الروس قد سبقونا للصيد بأساليب حديثة، يغوصون إلى الأعماق مزودين بنظارات وكمامات وأنابيب تنفس، قريبًا من مصنع الثلج الكبير".
ويقول بانافع: "لكن الوجهة الأهم كانت القلعة، الشامخة فوق الجبل. طريقها وعر، ومع ذلك يقصده من يعينهم جسدهم وصحتهم. زرتها أول مرة دون أن أبلغ القلعة نفسها، توقفت عند ثكنات قديمة ومدفع أثري مهمل ألقي نحو (أبو دست)".
ويتابع: "لاحقًا، في 19 يناير 1982، وصلت القلعة أخيرًا، في رحلة مدرسية نظمها أستاذ الجغرافيا محمد –رحمه الله– لتذكيرنا بيوم أسود من تاريخ عدن: احتلالها عام 1839 على يد القبطان هنس، بذريعة واهية عن سفينة جنحت في ميناء صيرة".
ويضيف: "كان يناير حينها في أجمل حالاته، جو معتدل، أمطار خفيفة أيامًا متتالية، جبال عدن ترتدي الخضرة المؤقتة، والمدينة تعيش لحظة تشبه مشاهد سويسرا أكثر من حر عدن. انطلقنا صباحًا من المدرسة، طلابًا وطالبات، نحو صيرة، والضحكات تسبق خطانا. عند الجبل بدأ التسلق الشاق، وكان الخطر حاضرًا، خاصة حين كادت زميلة لنا تهوي من حافة الجرف لولا أن تداركها الزملاء في اللحظة الأخيرة".
ويشير إلى أن "عند القلعة، رأيت بناءً حجريًا مذهلًا: جدران ضخمة من أحجار مرصوصة بدقة، عكوف حجرية تحمل السقف، لا أخشاب إلا في شباك واحد يطل على كريتر. في الأرضية فتحة دائرية بإتقان عجيب، تنزل عبر سلم إلى مستودع مظلم. وعلى السطح، مدفع صدئ يطل على البحر، يجعل المرء يدرك حكمة من اختار هذه القمة موقعًا دفاعيًا. من هنا، كل الجهات مكشوفة".
ويختم بانافع بالقول: "كما أخبرنا أستاذ التاريخ نصيب، كان سقوط عدن مسألة وقت؛ مدافعها ثابتة، لا تدور إلا في اتجاه واحد، بينما الغزاة يمتلكون أسلحة متحركة وبوارج تتحكم بميدان المعركة. وحتى القواعد الحجرية لبعض المدافع نزعت، وترك بعضها يتدحرج نحو حافة الجبل. هكذا، بين الرطوبة وملح البحر وأصداء التاريخ، تبقى صيرة شاهدًا على وجوه عدن، من صيادي البنجيز إلى القلعة التي صمدت، ثم انكسرت، لكنها لم تفقد مكانتها في ذاكرة المدينة".


















