يُقال إن علي عبدالله صالح ارتكب أكبر أخطائه عندما تحالف مع الحوثيين وانقلب على الرئيس عبدربه منصور هادي، الأمر الذي قاد البلاد إلى أتون حرب وانهيار غير مسبوق. هذا التوصيف يبدو للوهلة الأولى منطقيًا، لكنه يخفي جوهر الحقيقة، التي هي أن صالح لم يخطئ بقدر ما كان منسجمًا مع ذاته المريضة وتاريخه السياسي المليء بالتناقضات، حيث قاده غروره الشخصي وعُقد النقص التي لازمته طوال حياته إلى هذا الخيار الذي انتهى بمقتله.

صالح، الذي أُجبر على التنحي في 2012 تحت ضغط الشارع والتحالفات الإقليمية، لم يتقبّل فكرة خروجه من السلطة، خاصة أن خليفته كان رئيسًا جنوبيًا، وهو ما جعله أكثر مرارة وإحساسًا بالهزيمة. لقد رأى في الحوثيين أداة للانتقام من خصومه ووسيلة للعودة إلى المشهد، حتى لو كان ذلك عبر تحالف مع قوة كانت بالأمس عدوًا لدودًا.

التحالف مع الحوثيين لم يكن بالنسبة له زلّة سياسية او مغامرة تكتيكية، بل خيارًا واعيًا، نابعًا من سلوكه السلطوي المريض. فشخصيته التي عاشت عُقدة نقص منذ بداياته في الحكم جعلته ينظر إلى السلطة باعتبارها علاجًا لعجزه النفسي لا مشروعًا وطنيًا. وحين فقد كرسيه، تفاقمت عقدته فاندفع نحو الحوثيين، ليكونوا جسرًا إلى السلطة أو حفرة النهاية.

أما المؤتمر الشعبي العام، الذي يحاول بعض قادته اليوم تلميع صورة نجله أحمد علي، فلم يكن حزبًا مؤسساتيًا أو عقائديًا، بل مجرد تجمع انتهازي قائم على شبكات المصالح. رجال المؤتمر لم يلتفوا حول فكرة أو برنامج، بل حول شخص صالح وما يمثّله من نفوذ وثروة. وحين تبدّلت المصالح مع انطلاق عاصفة الحزم، تفرقوا في كل اتجاه سعيا وراء زرقهم من أيًا كان، وهو ما يفضح طبيعة المؤتمر ككيان انتفاعي بحت.

وهكذا اليوم، وبعد سنوات من مقتله، يدفع بقايا المؤتمر في صنعاء ثمن ذلك التحالف الكارثي. الحوثيون، الذين استخدموا صالح كوسيلة للتمكين، لم يعودوا بحاجة إلى إرثه السياسي، بل باتوا ينظرون إلى أنصاره على أنهم عبء مؤقت حانت لحظة التخلص منه. التهديدات، والإقصاء المتصاعد، والتضييق على قياداته في صنعاء، كلها شواهد على أن الحوثيين لا يعرفون مفهوم الشراكة في الحكم، بل يتعاملون مع الجميع كأدوات يجري التخلص منها فور انتفاء الحاجة.

إن ما جرى ويجري اليوم يوضح أن تحالف صالح مع الحوثيين لم يكن خطأً طارئًا بل التعبير الأصدق عن شخصيته ونظامه: نظام قائم على الانتهازية والخيانات والتحالفات المتناقضة التي تنهار بمجرد تغيّر الظروف. لذا فإن مقتله على أيدي الحوثيين، وما يتعرض له أيتام المؤتمر اليوم من تهميش وتهديد، لم يكن نهاية استثنائية، بل الخاتمة الطبيعية لمسيرة امتدت لعقود من الغدر والانتقام.