​ليست كل اللحظات التاريخية سواء، هناك لحظات تُضاف إلى مجرى الزمن دون أثر، ولحظات أخرى تعصف بالوعي وتكسر المسارات المألوفة، لتفتح بابا جديدا لا يمكن إغلاقه. أحمد الشرع، المعروف سابقاً بـ“أبومحمد الجولاني”، يقف اليوم على عتبة لحظة من النوع الثاني، فالرجل الذي خرج من رحم السلفية الجهادية، وقاد جبهة النصرة تحت راية القاعدة، يتحول تدريجيا إلى زعيم سياسي يتحدث بلغة “الوطنية السورية”، ويُلـمّح بمراجعات فكرية تضرب عمق الإسلام السياسي، وإذا مضى خطوة أبعد، كإعلان حلّ جماعة الإخوان في سوريا، فسيكون أمام مراجعة هي الأكبر منذ قرن، مراجعة قد تغيّر خارطة الفكر والحركات الإسلامية، وربما تضع حدا لدورة طويلة من الدم والعنف.

منذ سقوط ما يسمى “الخلافة العثمانية” والعالم العربي يفتش عن بدائل سياسية تملأ الفراغ، صعدت القومية العربية ثم انهارت مع نكسة حرب 1967، وتقدّم الإسلام السياسي ممثلاً في الإخوان المسلمين ليملأ الساحة، لكن هذه المسيرة لم تكن بريئة، بل ارتبطت بظاهرة التطرّف التي بدأت بحركة جهيمان العتيبي في الحرم المكي 1979، مرورا بما يسمى “الجهاد الأفغاني”، وصولاً إلى القاعدة وداعش وأنصار الشريعة وبوكو حرام وحتى الذئاب المنفردة، هذا الجذر السلفي الإخواني أنتج كل أشكال العنف العابر للحدود، ووجد في “الجولاني” نفسه أحد أبنائه الشرعيين، هنا تكمن المفارقة: الرجل الذي حمل السلاح تحت تلك الراية السوداء، قد يكون نفسه من يعلن القطيعة مع الأصل ويقود المراجعة الأعمق.

التجارب السابقة في “المراجعات” كانت دائما ناقصة أو محكومة بالظرفية المكانية أو الزمانية، مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر بعد التسعينات الميلادية اقتصرت على وقف العنف مقابل إطلاق السراح، ولم تمسّ البنية الفكرية، حتى مراجعات بعض قيادات تنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية لم تتجاوز محاولة التخفيف من الكلفة الأمنية، أما اليوم فنحن أمام احتمال مختلف: أن يعلن قائد جهادي سابق حلّ جماعة الإخوان في سوريا، أي إنهاء الرابط الذي جعل من الإسلام السياسي مظلة تجمع بين الدعوي والسياسي والجهادي، هذه ليست خطوة تكتيكية، بل تفكيك لجذر فكري استمر سبعين عاما.

وليس من المبالغة القول إن هذه اللحظة قد تكون أخطر على مصير الإسلام السياسي من كل الهزائم العسكرية التي مُني بها بما فيها سقوط حكم الإخوان في مصر 2013، فالهزيمة في الميدان يمكن تعويضها بعودة تحت اسم جديد، أما الانكسار الفكري من الداخل فهو أصعب على الترميم، وهنا يظهر “مكر التاريخ” كما وصفه هيغل: الفكرة تلد نقيضها من رحمها، الجولاني الذي كان منتجا لخطاب راديكالي، قد يصبح بنفسه أداة دفنه.

لكن أيّ مراجعة بهذا الحجم لا تمر بلا أثمان، تاريخ الإسلام السياسي يكشف أن التصفية الجسدية كانت دائما الأداة الأبرز لإسكات الأصوات التي تخرج عن الصف، فرج فودة اغتيل لأنه فضح البنية الفكرية، جهيمان نفسه انتهى على حدّ السيّف، أسامة بن لادن والظواهري والبغدادي كلهم تمت تصفيتهم ليس لمراجعاتهم بل لأنهم أصروا على عدم المراجعة، بينما كل الذين واجهوا ومضوا في المراجعات العميقة وجدوا أنفسهم متهمين بالفسق والفجور وحتى التكفير واستباحة الدم. اليوم، أحمد الشرع سيكون عرضة للسيناريو ذاته إن مضى بعيدا في قطيعته مع الإخوان والسلفية بأنواعها بما فيها الجهادية، لأنه ليس خصما عاديا، بل “خائن للفكرة” في نظرهم، والمرتد في منطقهم أخطر من العدو.

مع ذلك يمتلك الشرع ما لم يمتلكه غيره، فهو ليس مفكرا أعزل مثل فودة، ولا داعية بلا قاعدة مثل بعض المنشقين، بل زعيم يملك سلطة ميدانية وشبكة مقاتلين، ويستطيع أن يحمي نفسه بقدر ما يستطيع أن يفرض مراجعاته، إذا أحسن صياغة مشروعه في قالب شرعي ووطني مقنع، فلن يكون مجرد رجل يمكن اغتياله، بل مسار سياسي يصعب تصفيته بالرصاص، وعندها سيكون قد نجح في نقل المعركة من ميدان الدم إلى ميدان العقل، وهو الميدان الذي عجز الإسلام السياسي عن دخوله طوال عقوده.

المراجعة التي نتحدث عنها ليست شأنا سوريا خالصا، إن مضى الجولاني في هذا المسار، فسترتد آثارها على الإقليم والعالم الإسلامي كله، تركيا ستجد نفسها في مأزق، لأنها استثمرت في الإخوان السوريين كورقة نفوذ، وأي قرار بحل الجماعة سيجعل رصيدها يتبخر، العواصم العربية التي لطالما راهنت على الإخوان ستسقط هذه الرهانات الفاشلة لأنها لن تجدها متاحة أصلاً، ستقرأ دول الخليج العربية وتحديدا ذات التوجهات المكشوفة فكريّا هذه المراجعة كخطوة تاريخية في اتجاه تجفيف منابع الإسلام السياسي، وقد ترى في الجولاني فرصة لإعادة تدويره سياسيّا، نحن إذن أمام زلزال قد يعيد تشكيل التحالفات، ويفتح بابا لتسويات لم تكن ممكنة.

السؤال الأخطر: هل يمتلك الجولاني الشجاعة الكافية ليمضي حتى النهاية؟ أم أنه سيكتفي بخطاب ملتبس يبقي له قدما في “الوطنية” وأخرى في “الإسلامية”، كما فعلت حركات كثيرة قبله؟ التجارب تعلمنا أن نصف المراجعة أخطر من غيابها، لأنها تفتح الباب للالتباس وتمنح الخصوم فرصة لتشويهها، اللحظة الكبرى التي يعيشها الشرع تتطلب حسمًا لا مهادنة، إعلان قطيعة كاملة لا نصف خطوة، وإلا فإن التاريخ سيعيد تدوير الإسلام السياسي في نسخة أكثر تشوهًا.

قد تبدو الفرضية أقرب إلى المغامرة، لكن لنتذكر أن التاريخ لم يتغير إلا حين قرر أفراد أن يخوضوا المغامرة، الرئيس المصري أنور السادات غيّر وجه المنطقة حين زار القدس، رغم أن الجميع وصف خطوته بالانتحار السياسي، غورباتشوف فكك الاتحاد السوفييتي حين اختار المصارحة، رغم أن ذلك أطاح بمملكته وأسقط الأيديولوجيا التي تقوم عليها الكتلة الشرقية. اليوم يقف الجولاني على خط مشابه تماما؛ إما أن يصبح أول قائد يخرج من رحم السلفية ليقود قطيعتها، أو ينتهي كرقم آخر في قائمة الدماء التي أنتجتها.

المراجعات الكبرى لا تُقاس بنتائجها الفورية، بل بقدرتها على فتح أفق جديد، حتى لو انتهى الشرع مقتولا -لا قدر الله- فإن كلمته ستظل علامة فارقة في تاريخ الإسلام السياسي، لكنه إذا نجا، وتمكّن من تحويل المراجعة إلى تيار واسع، فقد يكون هو الرجل الذي أغلق قرنا كاملا من فكر الحركات الإسلامية، وفتح الباب لعصر جديد من الوطنية في المشرق. اللحظة الكبرى ليست مجرد خيار شخصي للجولاني، بل منعطف للتاريخ كله.
عن العرب اللندنية