كان السيد حامد المحضار وزير السلطنة القعيطية في ثلاثينات القرن الماضي مطلًا من شرفة دار المحاضير أو دار الحكم في المكلا التي هدمت قريبًا، وشاهد ساحرًا هنديًّا هبط من إحدى السواعي الراسية بميناء المكلا ويقدم عرضًا سحريًّا بهلوانيا لأهالي المكلا مقابل نصف روبية يتضمن قطع رأس ابنه بخفة ويعود الطفل من وسط جونية يمسك بها أحد الواقفين، ومرت أول ليلة، وثاني ليلة انتشر الخبر في المكلا وبين الناس البسطاء وتوافدوا يتحلقون منبهرين بسحر الهندي، وحين أراد أن يخرج ابنه حيا من وسط الجونية بخدعة، لم يفلح وعجز والناس منتظرون الوليد مقطوع الرأس ولازم يخرج من الجونية حيًّا ولم يخرج وفجأة تلفت الساحر الهندي حوله وهو في حالة بكاء ودموع، وصاح وسط الناس بابا، الله ولد بابا، وشاهد الناس ينظرون إلى شرفة السيد المحضار ففطن ومد يده نحو السيد وصاح بابا، الله، الله ولد حقه عيشة الله ديقا، توبة والله توبة، ولوح له المحضار أن انصرف من هنا بعد فتح الجونية وخرج ابنه كاملًا برأسه وقاده عسكري للشوكي للحبس.

إنهم السحرة حين يأخذون عقولنا ويجعلوننا نخرج كل ما في جيوبنا، من حيث ندري ولا ندري، هذا ما يحدث من سنوات ونحن مبهورين بما نراه في حالنا كله، نعيش من دون رواتب، والريال منهار ويبلغ أعلى درجة والأسعار نار مشتعلة، والبؤس فينا، ومع هذا هناك من يشتري قات بأسعار خيالية، تخزينة البعض وزراء كرام محصنون ومن حكومة المناصفة تصل إلى مائة وخمسين ألف لوحده من غير ضيوفه، وسمر الليل، آه ياعيني ياليل، والغذاء من المطاعم الغالية، كل هذا وهو مؤتمن علينا ومفوض الشعب في إدارة شؤوننا والسهر علينا، وإذا سألنا حجم راتبه فأنه ضئيل وعليل أقل من مائة ألف ريال ولا زعل، إنه السحر ولو حضر السيد حامد المحضار الذي أوقف سحر الهندي قبل ثمانين عاما، لفتح صناديق أسرارهم وكشف مخابئ اللصوص أصحاب على بابا والأربعين انتقالي وحراكي والرئاسي كل المؤتلفين علينا سحرًا وبهتانًا ونهبًا.

زمننا من أغرب الأزمنة التي لا تقرأ ولا نراها أمامنا، كنا أمس كالمجانين أمام الصرافات بحثًا عن حقيقة الصرف، وساد الخوف، بقدر ما ارتاحت صدورنا لأخينا سالم صالح بن بريك أن أوقف تدهور الريال، ومنحنا بعضًا من الطمأنينة فإذا نحن نبحث عن الإجابات في جراب الحاوي وضاعت فلوس الناس وارتبكت الأمور أشد ارتباكًا وهذا الحال إذا لا يستقيم قد يعصف بقرارات سالم وغير سالم وإذا ما استمر الساحر أو الحاوي الهندي يقطع رأس ابنه ثم يخرجه من جونية سليمًا معافى ونحن المغفلون ومع هذا ندفع مقابل هذا السحر ليس نص روبية، بل كل الربابي والقروش.

حقًّا هذا زمن السحرة، ولعبت البنوك والصرافات والأسعار، ولكن السؤال من لنا من يخرجنا من شر هؤلاء السحرة والعياذ بالله ويقينا شرهم وإثم أفعالهم.

إلى متى سنغرق في كل هذه التمثيليات التي نشاهدها ولا نعرف النهاية وليس كذلك فحسب، بل ومن إعداد من، هناك من يقول إنها الخزانة الأمريكية، حلو، وهناك من يقول إنه التحالف صحصح من النوم، كويس، وهناك من يؤكد ويحلف أنهم الشياطين هي التي تكفلت بالأمر بعد أن عجزت أمريكا وبريطانيا والخليج والرياض، وأمام هذا لم يبق إلا أن يديرها إبليس وأولاده ويغدو الأمر كما يقال المثل (إبليس ما يكسر خزبه) وهذا ما يحدث الآن ويا ليت السيد الوزير المحضار يعود إلينا ليطرد السحرة والشياطين وينقذنا إلى حين.