> «الأيام» غرفة الأخبار:

حذّر منتدى الشرق الأوسط الأمريكي من أن الولايات المتحدة تقف أمام"مفترق طرق استراتيجي" في البحر الأحمر، مع تصاعد هجمات جماعة الحوثي التي تهدد الملاحة الدولية وتؤثر على حركة التجارة العالمية.

وذكر تقرير تحليلي أعدّه الباحث الأمريكي إريك نافارو أن مواجهة الحوثيين تتطلب أكثر من مجرد ضربات عسكرية محدودة، مشددًا على ضرورة صياغة استراتيجية شاملة وممتدة تستهدف القدرات العسكرية للجماعة، وشبكاتها المالية، وشرعيتها السياسية، والدعم الخارجي الذي تتلقاه، خصوصًا من إيران.
  • البحر الأحمر.. عقدة استراتيجية
أوضح التحليل أن البحر الأحمر يُعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي ومصالح الولايات المتحدة، إذ يمرّ عبر مضيق باب المندب ما يقرب من 15 % من التجارة العالمية. وكل هجوم حوثي على سفن الشحن، أو زيادة في أقساط التأمين، أو تغيير في طرق الملاحة، يمنح "الجهات الخبيثة" نفوذًا إضافيًّا على حساب واشنطن وحلفائها.

وأشار التقرير إلى أن تهديدات الحوثيين تفوق خطورة أزمة القرصنة الصومالية مطلع القرن الحالي، التي كادت أن تشلّ التجارة البحرية وأجبرت على تدخلات دولية مكلفة. واليوم، ومع سعي إيران لتوسيع نفوذها، ومحاولات الصين ترسيخ حضورها البحري، تبدو المخاطر أكثر تعقيداً وحساسية.
  • تداعيات اقتصادية عابرة للقارات
تتجاوز التداعيات حدود اليمن والمنطقة، إذ بدأت شركات الشحن العالمية فعلياً في تحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى زمن العبور ويرفع الكلفة التشغيلية. هذا التحول يرفع أسعار الطاقة ويعطّل سلاسل التوريد، ويضغط على اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. كما قفزت أقساط التأمين على السفن العابرة للبحر الأحمر، في ظل عجز واضح عن ردع الهجمات.

ويرى نافارو أن استمرار التهديد الحوثي سيؤدي إلى ضغوط تضخمية عالمية، ويقوّض الانتعاش الاقتصادي، ويضعف قدرة الولايات المتحدة على مجابهة منافسين مثل الصين، ما يجعل تأمين البحر الأحمر ضرورة استراتيجية لا مجرد مطلب إقليمي.
  • ثلاثة أهداف رئيسية
حدد التحليل ثلاثة أهداف واضحة أمام واشنطن في البيئة الجيوسياسية الراهنة:

القضاء الدائم على التهديد الحوثي.

تحقيق الاستقرار في اليمن عبر هيكل حكم لامركزي وموحد.

ضمان حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

ولتحقيق هذه الأهداف، يقترح نافارو حملة مستمرة منسقة، تمتد 15 شهراً على الأقل، تشمل أدوات عسكرية واقتصادية وسياسية وإعلامية، مع مراعاة التوقيت السياسي الأمريكي واقتراب انتخابات التجديد النصفي عام 2026.
  • ثلاث مراحل زمنية
بحسب التحليل، تتوزع الاستراتيجية الأمريكية المقترحة على ثلاث مراحل مترابطة:

1 - الإجراءات الفورية (الأشهر 1 – 5):

تكثيف الضربات الجوية واستخدام الطائرات المسيّرة.

تنفيذ عمليات سيبرانية وتخريبية.

فرض مناطق حظر بحري دون تنازلات.

إطلاق حملات إعلامية استراتيجية عالمية.

إشراك القطاع الخاص لتأمين حركة الشحن.

2 - الإجراءات المتوسطة (الأشهر 5 – 10):

تعزيز الدعم العسكري للشركاء اليمنيين.

تسريع تحويل مسارات التجارة إلى موانئ بديلة.

تشديد العقوبات على شبكات التمويل والتهريب.

تكثيف الضغط الدبلوماسي على سلطنة عمان.

تفعيل نماذج الحوكمة اللامركزية في المناطق المحررة.

3 - إجراءات التوحيد (الأشهر 10 – 15):

نقل مسؤوليات الأمن البحري إلى تحالفات إقليمية.

استكمال إعادة بناء البنية التحتية الحيوية.

ضمان اعتراف دولي بحكومة يمنية لامركزية.

استمرار الضغط الإعلامي والدبلوماسي على الحوثيين وإيران.
  • الحوثيون لا يستجيبون إلا للقوة
أكد التحليل أن الحوثيين "لا يستجيبون إلا للقوة"، وأن الضربات المحدودة أو غير المنتظمة لن تكسر قدرتهم على القتال. وطالب بحملة عسكرية مستمرة تستهدف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، ومراكز إنتاج الطائرات المسيّرة، ومحطات الرادار الساحلية. كما شدد على أهمية العمليات الاستباقية لمنع الهجمات قبل وقوعها.

واقترح نافارو الاعتماد على قوات يمنية محلية فاعلة، مثل قوات طارق صالح على الساحل الغربي، وألوية العمالقة، إضافة إلى قوات مأرب والانتقالي الجنوبي، بهدف تكوين تحالفات مرنة دون الحاجة إلى توحيد كامل للفصائل.
  • تفكيك شبكات الحوثيين
إلى جانب الضغط العسكري، أوصى التحليل بشن هجوم سياسي واقتصادي متزامن، يشمل:

توسيع العقوبات ضد شبكات التمويل والتهريب الإيرانية.

الاستثمار في موانئ بديلة مثل عدن والمكلا وبربرة لتحويل مسار التجارة بعيداً عن الحوثيين.

الضغط على عمان لإغلاق حدودها أمام تهريب الأسلحة الإيرانية.

كما دعا إلى فرض مناطق حظر بحري صارمة حول موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، مع استهداف مخزونات الوقود التي يستخدمها الحوثيون لتشغيل عملياتهم وجني أرباح من السوق السوداء.
  • حرب معلومات ونزع الشرعية
شدد التقرير على أهمية "حرب المعلومات" لنزع الشرعية عن الحوثيين، عبر حملات إعلامية تكشف انتهاكاتهم، مثل تجنيد الأطفال واستهداف السفن المدنية وتحويل المساعدات. وطالب بربط الحوثيين علناً باستراتيجية إيران التخريبية وطموحات الصين البحرية.

كما أشار إلى تقارير تتحدث عن دور صيني في تزويد الحوثيين بمعلومات استخباراتية عبر صور أقمار صناعية لدعم استهداف السفن الدولية.
  • نموذج حكم لامركزي
دعا نافارو واشنطن إلى دعم نموذج حكومة لامركزية في اليمن، معتبراً أن المركزية المفرطة تكرّس الاضطرابات كما حدث في العراق وأفغانستان. وأكد أن اللامركزية تسمح للجماعات المحلية بممارسة الحكم الذاتي ضمن هوية وطنية موحدة، وتقلل دوافع التمرد.

وطالب بأن تركز جهود إعادة الإعمار على مشاريع ملموسة وسريعة التأثير، مثل إعادة تأهيل الموانئ والمرافق الجمركية والعيادات وشبكات النقل، بما يوفر بدائل اقتصادية لحكم الحوثيين ويمنع استغلال المساعدات.
  • إيران في قلب المواجهة
أوضح التحليل أن أي استراتيجية أمريكية لا بد أن تأخذ في الاعتبار الدور الإيراني المباشر في تمكين الحوثيين. وطالب بانتهاج نهج متشدد في المفاوضات مع طهران، وربط أي اتفاق نووي بوقف دعمها للحوثيين بشكل كامل. كما لمّح إلى أن استمرار طهران في هذا الدعم قد يستدعي استهدافاً مباشراً للبنية التحتية الإيرانية.
  • تحذير من التقاعس
حذّر نافارو من أن أي "حملة فاترة" ستقود إلى تكرار دورات الردع المؤقت ثم التصعيد من جديد، ما يعني انهيار الدولة اليمنية، وتعاظم نفوذ إيران، وارتفاع تكاليف الشحن عالميًّا، وتآكل مكانة الولايات المتحدة في منطقة استراتيجية.

وختم الباحث الأمريكي تحليله بالتأكيد على أن "هزيمة الحوثيين ليست خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة حتمية"، مشددًا على أن البحر الأحمر لا يمكن تركه للصدفة، وأن على الولايات المتحدة أن تتحرك بحزم ورؤية طويلة المدى لضمان أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.