> عبدالقادر باراس:
تظهر المصادر التاريخية أن منطقة الحسوة بمديرية البريقة كانت عبر عقود عرضةً لفيضانات موسمية متدفقة عبر الوادي الكبير القادم من ودي تبن، والذي يصب في البحر المحاذي للقرية، وقد شكّلت هذه الفيضانات، التي اعتاد الأهالي وقوعها في أغسطس أو سبتمبر وأحيانًا في يناير أو فبراير، مصدرًا رئيسيًا لري الأراضي الزراعية والبساتين عبر خزانات إسمنتية أُنشئت خصيصًا لذلك.
وإلى جانب هذا الدور الحيوي، ارتبط تاريخ منطقة الحسوة بموقعها الساحلي المميز؛ فهي تقع في الضفة المقابلة لميناء عدن، وظلت تعامل كقرية نائية رغم تزايد عدد سكانها ومساكنها، وقد ارتبط تاريخ وجود سكانها بتاريخ مدينة عدن، إذ لم يقطنها إلا الصيادون ومن عملوا في خدمة السفن الشراعية، ومن عيون الماء التي اشتهرت بها الحسوة، كان أهالي عدن وسفنها يتزودون بالماء، حيث تنقل المياه بالقوارب الشراعية، إلى جانب ممارسة الرعي والزراعة التي ازدهرت بفضل سيول الأمطار المتدفقة عبر الوادي الكبير، ولا تخلو كتابات الرحالة والمؤرخين من ذكر الحسوة وأهاليها، باعتبارهم من السكان الأوائل لمدينة عدن.
لكن الوجه الآخر للحسوة كان دائمًا الخطر الكامن في مجاري السيول والأودية التي تهددها، فقد سجلت المصادر وقوع كوارث متكررة عبر العقود، كان أبرزها فيضان عام 1953م. ففي ذلك العام شهدت المنطقة كارثة طبيعية غير مسبوقة، حين تدفقت سيول وادي تبن على نحو لم تعهده منذ اثني عشر عامًا. وقد وثّقت صحيفة "فتاة الجزيرة" العدنية في عددها (689) الصادر بتاريخ 13 سبتمبر 1953م، نقلًا عن وكالة الصحافة العدنية، تفاصيل ما خلّفته الكارثة من آثار مأساوية؛ إذ اجتاح السيل منطقة "حافة الدار" وجرف معه ثلاثين كوخًا من عشش الخشب والنارجيل، فيما بقي منزل طيني واحد مهددًا بالانهيار. كما غمرت المياه سيارات بينها شاحنة كبيرة للشيخ هائل سعيد أنعم وأخرى عسكرية، وكادت أن تودي بحياة ثلاثة أشخاص لولا تدخل الشجعان من الأهالي، وأمام هذه الفاجعة وجد سكان "حافة الدار" أنفسهم مشرّدين بلا مأوى، فاستضافهم مؤقتًا أهالي "حافة الشوكي"، فيما ظل السؤال المعلّق في عدن: من يعين هؤلاء الفقراء على إعادة بناء منازلهم البسيطة؟

وبعد ثلاثة عقود، تكررت المأساة بصورة أشد في 29 مارس 1982م، حين شهدت مناطق في عدن أمطارًا غزيرة غير مسبوقة استمرت يومين متتالين، وقد بلغت كمية الأمطار في عدن ثلاثة أمتار خلال ساعة ونصف فقط، وفق ما نشرته صحيفة"14 أكتوبر" في 1 أبريل 1982م نقلًا عن مكتب الأرصاد الجوي. وتسببت السيول في ارتفاع منسوب المياه لأكثر من خمسة أمتار في بعض المناطق، خصوصًا في الحسوة الواقعة بين مدينتي المنصورة والشعب، حيث جرفت السيول 11 سيارة، وألحقت أضرارًا جسيمة بالممتلكات العامة والخاصة. إزاء حجم هذه الكارثة، قام الرئيس علي ناصر محمد آنذاك بزيارة عاجلة إلى المناطق المنكوبة، وأصدر تعليمات بإنقاذ المواطنين وتوفير احتياجاتهم. كما شُكّلت لجنة عليا لمعالجة الأضرار في عدن وأبين ولحج، وشملت المنازل والأراضي الزراعية والسدود والطرقات، وأطلق المواطنون حملات تبرع ومبادرات شعبية لإنقاذ المتضررين، فيما زار رؤساء البعثات الدبلوماسية المواقع المنكوبة، وعلى رأسها الحسوة وخورمكسر.
ولا تزال ذاكرة الحسوة تحمل في طياتها كوارث متجددة، فقد اجتاح منخفض جوي العاصمة عدن والمحافظات المجاورة في 23 أغسطس من هذا العام، ليتحول إلى كارثة إنسانية في الحسوة. فقد انهارت عشرات المنازل كليًا، وتضررت مئات أخرى جزئيًا، فيما فقدت أسر كثيرة كل مقتنياتها الأساسية، كما حوصرت مئات الأسر داخل منازلها، وتقطعت الطرق نحو مدينة إنماء، وسُجلت وفيات وإصابات نتيجة الانهيارات وحوادث الغرق، فضلًا عن تدمير البنية التحتية وانقطاع الطريق الرئيسي المؤدي إلى المديرية.
ويؤكد خبراء الزراعة أن هذه المآسي لم تكن كلها طبيعية؛ إذ سبق لمسؤولي الزراعة في عدن أن حذروا قبل عامين من أن أوضاع الوادي الكبير الممتد من الوهط حتى البحر باتت خطيرة بعد أعمال الردم والتحويل إلى أراضٍ سكنية منذ 1998م، ثم البناء العشوائي منذ 2007م. فقد أدى ذلك إلى انسداد المجرى الطبيعي للسيول، وتحويل المنطقة إلى بؤرة مهددة بالغرق. كما أن الوادي الصغير عند طريق العلم – الحسيني تغيّر مساره بفعل الطرقات، ما تسبب في وصول السيول عام 1982م إلى مطار عدن الدولي.
وقد شملت التحذيرات مناطق الحسوة ومحيطها ومدينة إنماء القديمة والمدينة الخضراء ومدينة السلام، إضافة إلى المصانع على خط التسعين والأراضي السكنية المقامة في مجاري الأودية. وخلص الخبراء إلى أن تكرار مأساة 1982م يظل واردًا، خصوصًا مع جهل كثير من السكان الجدد بخطورة الموقع، في مقابل إدراك سكان عدن القدامى للتجربة المريرة.
إن تجربة الحسوة الممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم تبرز حقيقة ثابتة أن الكارثة الطبيعية سرعان ما تتحول إلى مأساة إنسانية حين تتقاطع مع الإهمال والتوسع العشوائي، ولعل الدرس الأبرز أن حماية الأرواح والممتلكات في عدن تبدأ من احترام مجاري السيول وضمان تصريفها بأمان إلى البحر، وإلا فإن التاريخ لن يتوقف عن تكرار نفسه.
وإلى جانب هذا الدور الحيوي، ارتبط تاريخ منطقة الحسوة بموقعها الساحلي المميز؛ فهي تقع في الضفة المقابلة لميناء عدن، وظلت تعامل كقرية نائية رغم تزايد عدد سكانها ومساكنها، وقد ارتبط تاريخ وجود سكانها بتاريخ مدينة عدن، إذ لم يقطنها إلا الصيادون ومن عملوا في خدمة السفن الشراعية، ومن عيون الماء التي اشتهرت بها الحسوة، كان أهالي عدن وسفنها يتزودون بالماء، حيث تنقل المياه بالقوارب الشراعية، إلى جانب ممارسة الرعي والزراعة التي ازدهرت بفضل سيول الأمطار المتدفقة عبر الوادي الكبير، ولا تخلو كتابات الرحالة والمؤرخين من ذكر الحسوة وأهاليها، باعتبارهم من السكان الأوائل لمدينة عدن.
لكن الوجه الآخر للحسوة كان دائمًا الخطر الكامن في مجاري السيول والأودية التي تهددها، فقد سجلت المصادر وقوع كوارث متكررة عبر العقود، كان أبرزها فيضان عام 1953م. ففي ذلك العام شهدت المنطقة كارثة طبيعية غير مسبوقة، حين تدفقت سيول وادي تبن على نحو لم تعهده منذ اثني عشر عامًا. وقد وثّقت صحيفة "فتاة الجزيرة" العدنية في عددها (689) الصادر بتاريخ 13 سبتمبر 1953م، نقلًا عن وكالة الصحافة العدنية، تفاصيل ما خلّفته الكارثة من آثار مأساوية؛ إذ اجتاح السيل منطقة "حافة الدار" وجرف معه ثلاثين كوخًا من عشش الخشب والنارجيل، فيما بقي منزل طيني واحد مهددًا بالانهيار. كما غمرت المياه سيارات بينها شاحنة كبيرة للشيخ هائل سعيد أنعم وأخرى عسكرية، وكادت أن تودي بحياة ثلاثة أشخاص لولا تدخل الشجعان من الأهالي، وأمام هذه الفاجعة وجد سكان "حافة الدار" أنفسهم مشرّدين بلا مأوى، فاستضافهم مؤقتًا أهالي "حافة الشوكي"، فيما ظل السؤال المعلّق في عدن: من يعين هؤلاء الفقراء على إعادة بناء منازلهم البسيطة؟
ونشرت صحيفة"الرقيب" العدنية لصاحبها ورئيس تحريرها محمد علي باشراحيل، في عددها (53) بتاريخ 15 نوفمبر 1956م، تقريرًا خاصًا عن منطقة الحسوة بمديرية البريقة تحت عنوان"كل شيء عن الحسوة" لتؤكد أن فيضان عام 1953م لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة فيضانات موسمية اعتادت عليها المنطقة، وإن كان ذلك العام قد تميز بحدة استثنائية. كما أبرزت الصحيفة الدور البارز للشيخ صالح مواتي، الذي بادر بنقل السكان إلى الهضاب المرتفعة فأنقذ حياتهم، وهو ما نال عليه شهادة شرف من الحاكم البريطاني لعدن السير توم هيكنبوثام. وسجلت أيضًا ما كان يتداوله الأهالي من اعتقاد بوجود علامة فلكية تنذر بقدوم الفيضانات، تتمثل في ظهور نجوم الثريا قبيل تدفق السيول.

وبعد ثلاثة عقود، تكررت المأساة بصورة أشد في 29 مارس 1982م، حين شهدت مناطق في عدن أمطارًا غزيرة غير مسبوقة استمرت يومين متتالين، وقد بلغت كمية الأمطار في عدن ثلاثة أمتار خلال ساعة ونصف فقط، وفق ما نشرته صحيفة"14 أكتوبر" في 1 أبريل 1982م نقلًا عن مكتب الأرصاد الجوي. وتسببت السيول في ارتفاع منسوب المياه لأكثر من خمسة أمتار في بعض المناطق، خصوصًا في الحسوة الواقعة بين مدينتي المنصورة والشعب، حيث جرفت السيول 11 سيارة، وألحقت أضرارًا جسيمة بالممتلكات العامة والخاصة. إزاء حجم هذه الكارثة، قام الرئيس علي ناصر محمد آنذاك بزيارة عاجلة إلى المناطق المنكوبة، وأصدر تعليمات بإنقاذ المواطنين وتوفير احتياجاتهم. كما شُكّلت لجنة عليا لمعالجة الأضرار في عدن وأبين ولحج، وشملت المنازل والأراضي الزراعية والسدود والطرقات، وأطلق المواطنون حملات تبرع ومبادرات شعبية لإنقاذ المتضررين، فيما زار رؤساء البعثات الدبلوماسية المواقع المنكوبة، وعلى رأسها الحسوة وخورمكسر.
ولا تزال ذاكرة الحسوة تحمل في طياتها كوارث متجددة، فقد اجتاح منخفض جوي العاصمة عدن والمحافظات المجاورة في 23 أغسطس من هذا العام، ليتحول إلى كارثة إنسانية في الحسوة. فقد انهارت عشرات المنازل كليًا، وتضررت مئات أخرى جزئيًا، فيما فقدت أسر كثيرة كل مقتنياتها الأساسية، كما حوصرت مئات الأسر داخل منازلها، وتقطعت الطرق نحو مدينة إنماء، وسُجلت وفيات وإصابات نتيجة الانهيارات وحوادث الغرق، فضلًا عن تدمير البنية التحتية وانقطاع الطريق الرئيسي المؤدي إلى المديرية.
ويؤكد خبراء الزراعة أن هذه المآسي لم تكن كلها طبيعية؛ إذ سبق لمسؤولي الزراعة في عدن أن حذروا قبل عامين من أن أوضاع الوادي الكبير الممتد من الوهط حتى البحر باتت خطيرة بعد أعمال الردم والتحويل إلى أراضٍ سكنية منذ 1998م، ثم البناء العشوائي منذ 2007م. فقد أدى ذلك إلى انسداد المجرى الطبيعي للسيول، وتحويل المنطقة إلى بؤرة مهددة بالغرق. كما أن الوادي الصغير عند طريق العلم – الحسيني تغيّر مساره بفعل الطرقات، ما تسبب في وصول السيول عام 1982م إلى مطار عدن الدولي.
وقد شملت التحذيرات مناطق الحسوة ومحيطها ومدينة إنماء القديمة والمدينة الخضراء ومدينة السلام، إضافة إلى المصانع على خط التسعين والأراضي السكنية المقامة في مجاري الأودية. وخلص الخبراء إلى أن تكرار مأساة 1982م يظل واردًا، خصوصًا مع جهل كثير من السكان الجدد بخطورة الموقع، في مقابل إدراك سكان عدن القدامى للتجربة المريرة.
إن تجربة الحسوة الممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم تبرز حقيقة ثابتة أن الكارثة الطبيعية سرعان ما تتحول إلى مأساة إنسانية حين تتقاطع مع الإهمال والتوسع العشوائي، ولعل الدرس الأبرز أن حماية الأرواح والممتلكات في عدن تبدأ من احترام مجاري السيول وضمان تصريفها بأمان إلى البحر، وإلا فإن التاريخ لن يتوقف عن تكرار نفسه.


















