> فردوس العلمي:

  • الشيطان والفراغ القاتل.. كلمات تخرج من أعين دامعة
  • الاغتصاب والسرقة.. أبرز القضايا التي تستقبلها الدار
  • غياب الدعم يحوّل دار التأهيل إلى سجنٍ بلا إمكانيات
المحرر: تم ابلاغ الصحيفة صباح الخميس من قبل مصدر قضائي أن الحدث البالغ من العمر ثمان سنوات عمره 12 عاماً بحسب الوثائق المقدمة للقضاء


> زيارة إلى دار الأحداث برفقة عضوات اللجنة الفنية لعدالة الأحداث بوزارة العدل د. سلوى بريك وسحر عبدالله، الزيارة للدار تكشف لنا كيف أصبح بعض أبنائنا ضحايا حياة مليئة بالمفاجآت والمنغصات وقسوة الواقع المر، أطفال حُرموا من التعليم، ووجدوا أنفسهم فجأة من روّاد الشوارع، ثم متهمين في قضايا تمس الشرف والأخلاق.

ما ذنبهم؟ وأين الأسر؟ وأين دور المربين والمعلمين

داخل الدار، أطفال لم يبلغوا الحُلم بعد، يحملون على عاتقهم لقب "أصحاب السوابق".

الجو العام كئيب، كأن القدر رسم على جدرانه صورًا مفزعة تحكي قصص براءة دنستها الأخطاء.

وجوه صغيرة تكسوها نظرات ندم، ودموع تتحدث أكثر من كلماتهم. يقولون: "الشيطان والفراغ القاتل".

بعضهم ينفي التهم بإصرار، وآخرون يعترفون بعجز وذهول: "لم أدرِ لما فعلت ذلك، لم أستفق إلا وأنا مضروب ومسلم للشرطة".
  • تفاصيل القضايا:
عدد نزلاء الدار حاليًا سبعة أطفال في مرحلة التعليم الأساسي. ستة منهم متهمون بقضايا اغتصاب، أعمارهم تتراوح بين 8 و14 عامًا في حديثهم مع معد التقرير حول ما دفعهم واتفقوا جمعيهم على القول:"لم نكن نعي نتائج ما فعلناه، الأصدقاء السيئون ورّطونا"، وحتى الآن لا يصدقون أنهم متهمون بتهم مخزية، قال أحدهم:"لم أدر لما فعلت ذلك لم استفيق إلا والناس تضربني وتم تسليمي للشرطة وثلاثة متهمون بتهمة واحدة ويسكنون في منطقة وحي واحد وأصروا بأن هذا مكيدة".

مكتب القضاء ووكلاء النيابة
مكتب القضاء ووكلاء النيابة

آخر يقول :"لم نفعل شيء والمتهم هو من وشى بنا، كنا ثمانية واحد كبير أُخذ إلى سجن المنصورة ونحن الثلاث رحلونا من الشرطة إلى دار الأحداث وثلاثة لم يستدعهم أحد ومن اتهمنا خرج بضمانة".

وحين سألته لماذا لم تخرجوا أنتم بضمانة قالوا:"لا نستطيع بعد دخولنا إلى الدار ما في خروج بضمانة ونحن لنا في الدار شهر ونص".

الأطفال تعكرت حياتهم مما جعلهم يندمون وتتحدث عنهم دمعهم ولسان حالهم:"بفعلتنا أحرجنا أسرنا وأوجعنا أمهاتنا".

أحدهم قال:"أمي ماتت لو كانت تعيش كانت ماتت بدل المرة مئة مرة".

أصغر نزيل في الدار ثمان سنوات متهم بقضية جلب أطفال اتهم بأخذ ثلاث أطفال وتسليمهم إلى شخص على متن سيارة يقول:"كنت أقف في الفرزة وطلب مني شخص أن أنادي لثلاث أطفال ما كنت أعرف ليش ولما جبتهم أخذهم في السيارة وأعطاني 2000 ريال ما كنت أدري ليش يريدهم فجأة جاءت الشرطة وقبضوا علي".

يقول مدير دار الأحداث محمد جعفر:"عملنا عمل إنساني، يقوم على إعادة تأهيل الأطفال الذين هم في تماس مع القانون، وتعويضهم عمّا حُرموا منه. ويعد الدار أسرة بديلة مؤقتة، توفر لهم الأمن، التعليم، الرعاية الصحية والدعم النفسي".

وقال "أبرز القضايا التي تصل إلينا هي الاغتصاب والسرق ونعتمد على برامج تعليمية ودينية، وجلسات دعم نفسي عند دخوله للدار يتم فتح ملف وعمل بحث اجتماعي أولي لكل نزيل".

وعن علاقة الأسرة بالدار حسب قوله:"للأسف يكون التواصل مستمر مع الأسر فقط أثناء تواجد الحدث في الدار وبعد خروجه ينقطع التواصل به وذلك عكس ما كان في السابق كان لدينا برنامج الرعاية اللاحقة وذلك بعد خروج الحدث من الدار ".

وعن التحديات التي يواجهها الدار قال:"وهي النقص التام في التغذية حيث تم توقيف التغذية التي كانت تأتي لهم جاهزة عبر الجيش وتنقصنا الكثير من الاحتياجات الضرورية".

وأضاف :"يعاني الدار شُحّةً في الإمكانيات، ولا توجد أي منظمات محلية أو دولية تدعم المركز، ورغم ذلك نجتهد لعمل بعض الأنشطة والبرامج للأطفال".

يوجّه مدير دار الأحداث رسالة إلى منظمات المجتمع المدني قائلًا: "يجب الوقوف إلى جانب الدار، لأنه يُعتبر الجزء الرئيسي لإصلاح المجتمع، فهذا المركز هو الأب والأم لمن لا عائل لهم وأصبحوا في خلاف مع المجتمع والقانون، ونحاول قدر الإمكان أن نعيدهم إلى جادة الصواب، والطريق السليم، فإذا تم دعم المركز بقوة لا يكون بعده أي إجرام كبير، طالما أنك أصلحت البذرة الصغيرة فتكبر وتكون صالحة، عكس ما لو تركتها تكبر وهي فاسدة".

حسب قول مدير دار الأحداث، هناك نواقص كثيرة تعيق عمل الدار، ونعاني من عدة نواقص أساسية ومهمة مثل رفع السور، وترميم المطبخ وغرفة الحراسة. وتنقصنا أيضًا أدوات مطبخ متكاملة: ثلاجات، أفران، غسالة، وأدوات طبخ. ونحتاج أيضًا لتسلية الأطفال إلى تلفزيون شاشة، وعمل خشبة مسرح. نحن محتاجون إلى تعشيب وتبليط الساحة، وطلاء المسجد (المصلى)، وصيانة النوافذ، وعمل مراوح بالمصلى، وزيادة الإضاءة بنظام الطاقة الشمسية.

مطبخ دار الأحداث
مطبخ دار الأحداث

كل هذه احتياجات تنقصنا، فإذا تم توفيرها سيتحسن عمل الدار، وتتحسن نفسية الأطفال، فالأطفال لا يجب أن يشعروا أنهم في السجن، بل في دار لإعادة تأهيلهم وتعليمهم بشكل صحيح".

ريهام اختر مشرفة في دار الأحداث قالت:"منذ عملي في الدار قبل عام ونصف كانت أغلب القضايا سرقة بسيطة، لكن هذا العام أغلبها قضايا اغتصاب. الأطفال ينكرون، لكن من ملامحهم هم أبناء أسر عادية، فيهم براءة وأدب، إلا أنهم متهمون بما يفوق أعمارهم".

د. سلوى بريك:"وجهت للأطفال محاضرة توعوية عن السلوك الصحيح، وأكدت أن الخطأ يُحاسب عليه صاحبه. طلبت منهم التمسك بالصلاة وقراءة القرآن، لأنهما سبيل لحياة شريفة ومستقبل أفضل" .

وطلبت من الأطفال الاهتمام بالتعليم ليكونوا ناس شرفاء في المستقبل، وأن يحافظوا على حياتهم وعلى أسرهم وأن لا يرضوا أن يحصل ذلك للآخرين".

الأخصائية النفسية د. شفيقة علي نعمان تحدثت عن الأسباب النفسية والدوافع خلف بعض السلوكيات:"الأطفال لديهم فضول طبيعي تجاه أجسادهم، وهذه السلوكيات لا تحدد توجههم الجنسي مستقبلًا. الآثار السلبية لا تأتي من الفعل نفسه، بل من رد فعل الكبار الخاطئ الذي يزرع الخزي والذنب في نفس الطفل".

وتابعت حديثها بضرورة تعامل الأهل والمربين بهدوء، تعليم الأطفال الخصوصية الجسدية، مراقبة المحتوى الذي يتعرضون له، وتعزيز التواصل المفتوح معهم.

وأكدت بأن معاقبة الطفل أو توبيخه بعنف يربط الطفل العقاب والرعب بالاستكشاف الطبيعي، مما يؤدي إلى صدمة نفسية. تم إخباره بتسميات غير مناسبة لعمره: مثل وصفه بـ "شاذ" أو "منحرف"، هذه التسميات تثبت في ذهنه وتصبح جزءًا من نظرته لنفسه بشكل سلبي"

وقالت:"كسر خصوصيته وإذاعة الأمر تحدث آثار اجتماعية سيئة مثل السخرية أو التنمر، مما يزيد من العزلة والأذى النفسي".

وختمت حديثها بضرورة تعامل الأهل والمربين بهدوء، تعليم الأطفال الخصوصية الجسدية، مراقبة المحتوى الذي يتعرضون له، وتعزيز التواصل المفتوح معهم.

القاضي أميرة سالم قاضي الأحداث أوضحت مهام قاضي الأحداث وقالت:"قاضي الأحداث هو قاضٍ مختص بالنظر في القضايا. التي يكون أطرافها (خصوصًا المتهمين) من الأطفال أو المراهقين الذين لم يبلغوا سن الرشد القانوني، وأوضحت قاضي الأحداث يتولى التحقيق والحكم في القضايا التي يُتهم فيها الحدث بارتكاب جريمة، سواء كانت جنحة أو جناية، حسب القانون، إضافة إلى متابعة الحالات الاجتماعية للأطفال حيت لا يقتصر دوره على الجانب الجزائي فقط، بل يتدخل أيضًا في الحالات التي يكون فيها الطفل مهددًا بالخطر (مثلًا: الإهمال الأسري، التعنيف، التشرد.. ويهدف اتخاذ تدابير حماية وتربية بدل العقوبات التقليدية إلى إصلاح الطفل وتأهيله بدلًا من معاقبته، من خلال تدابير مثل الإلحاق بمؤسسات تربوية أو إصلاحية، المتابعة النفسية والاجتماعية، فرض الرقابة القضائية والتكليف بمزاولة عمل اجتماعي أو تعليمي).

وعن مميزات قاضي الأحداث قالت يتعامل فقط مع الأشخاص الذين لم يبلغوا سن الرشد القانوني. ويركّز على إعادة الإدماج والإصلاح وليس على العقوبة الزجرية فقط. يتعاون عادة مع مختصين اجتماعيين ونفسيين لفهم خلفية الحدث واتخاذ القرار الأنسب.

تُعقد الجلسات غالبًا بصفة سرية حفاظًا على مصلحة الحدث وسمعته. يسمح القانون لقاضي الأحداث باتخاذ قرارات سريعة ومرنة لتدارك الوضع التربوي للحدث، يمتلك خيارات أوسع من العقوبات التقليدية، مثل الحماية، المراقبة، الإدماج الاجتماعي، وغيرها.

وأكدت بأن قاضي الأحداث هو عنصر أساسي في منظومة العدالة الخاصة بالأطفال، وهدفه الأساسي هو إصلاح وتوجيه الحدث لا معاقبته، مع مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تكون سببًا في انحرافه.

وفي ختام زيارة حملت الكثير من الوجع، نؤكد أن دار الأحداث ليس مجرد مكان لاحتجاز الأطفال، بل هو مرآة تعكس خللًا عميقًا في المجتمع والأسرة والمدرسة. هؤلاء الصغار لم يولدوا مجرمين، بل دفعتهم الظروف والحرمان والرفقة السيئة إلى طرقٍ مظلمة. إذا لم نتكاتف جميعًا ـ أسرًا، ومربين، ومجتمعًا، ومنظمات ـ لمد يد العون لهم، فإننا لا نفقد أطفالًا فحسب، بل نفقد مستقبل وطن بأكمله.

دار الأحداث يضعنا أمام مسؤولية جماعية، فهؤلاء الأطفال يحتاجون إلى من يمد لهم يد الرحمة قبل يد العقاب، ويحتاجون إلى من يزرع في قلوبهم الأمل بدل أن يتركهم فريسة لليأس والذنب. ما زالوا صغارًا، وما زال بالإمكان إصلاحهم إذا تكاتفنا جميعًا من أسرة ومجتمع ومؤسسات. إنقاذ طفل واحد اليوم يعني حماية جيلٍ كامل غدًا.