كلمة العدالة الانتقالية قد تبدو صعبة أو بعيدة عن حياتنا اليومية. لكن لو نظرنا بعيون الأمهات، سنجدها بسيطة وعميقة في الوقت نفسه.

العدالة الانتقالية هي ما تفعله الأم عندما يحدث خلاف بين أبنائها: لا تترك الجرح بلا علاج، ولا تسمح للخطأ أن يمرّ بلا اعتراف، وفي نفس الوقت لا تسمح للكراهية أن تسكن القلوب. هي تبحث عن الحقيقة، وتعلّم أبناءها أن يقولوا: "أنا أخطأت"، ثم تفتح لهم باب التسامح والبدء من جديد.
  • اليمن وجراح الحروب
في اليمن، الجراح كبيرة وثقيلة. هناك من فقدوا أحباءهم، وهناك أطفال كبروا في أجواء خوف، وبيوت تهدمت وأحلام تأجلت، اليمن اليوم بحاجة إلى عدالة انتقالية ليست مجرد قوانين، بل رحلة شفاء جماعي.

عدالة تُعيد لكل أم الحق أن تعرف مصير ابنها، ولكل طفل الحق أن يعيش في أمان، ولكل إنسان فرصة أن يبدأ من جديد بلا خوف من انتقام ولا شعور بالتهميش.

والأهم أن تقوم هذه العدالة على أساس المواطنة المتساوية، فلا فرق بين يمني ويمني بسبب دينه، أو رأيه، أو جنسه، أو لونه.

الوطن لا يكون بيتًا آمنًا إلا إذا شعر كل فرد أنه جزء منه، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات.
  • من الأسرة إلى المجتمع
البيت هو المدرسة الأولى لتطبيق فضيلة العدالة. حين تعلّم الأم أبناءها أن يعتذروا عند الخطأ، وأن يعترفوا بالحق، وأن يسامحوا بعضهم، فهي تبني بذور مجتمع يعرف كيف يتصالح بعد الأزمات. والمجتمع الكبير ما هو إلا مجموع هذه البيوت الصغيرة.
  • العدالة هي طريق إلى التعايش والتسامح
العدالة الانتقالية ليست نهاية المطاف، بل بداية طريق. طريق نحو التعايش، حيث يعيش الناس جنبًا إلى جنب رغم اختلافاتهم، ويشعر كل واحد أن مكانه محفوظ ومصان. وهي أيضًا طريق نحو التسامح، حيث يتجاوز الناس الجراح لا لينسوا، بل ليتعلموا ويبنوا واقعًا أفضل.

كما أن الأم لا تملّ من غرس المحبة بين أبنائها، كذلك يحتاج اليمن أن يزرع روح العدالة مع الرحمة، ليُثمر سلامًا حقيقيًا يقوم على التعايش والتسامح. فبدون عدل لا سلام، وبدون تسامح لا استقرار.
  • "العدالة الانتقالية" هي حكاية بيت قبل أن تكون حكاية وطن
فالعدالة الانتقالية ليست قضية محاكم فقط، بل قضية قلوب وبيوت وأجيال. هي مثل يد أم حانية تلمّ شمل أبنائها بعد خصام، لتقول لهم: أنتم أسرة واحدة، ومستقبلكم لا يقوم إلا على المحبة والإنصاف. واليمن، مثل أي بيت جريح، يستطيع أن ينهض من جديد إذا جمع بين العدالة، التعايش، والتسامح. عندها فقط يمكن أن يصبح الوطن بيتًا آمنًا، يسع الجميع بلا استثناء.

نعم هكذا نترجم نحن الأمهات فضيلة العدل إلى واقع عملي في حياة مجتمعنا.

ودمتم سالمين..