> «الأيام» غرفة الأخبار:
يشهد الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عقدين نقاشًا متواصلًا حول ظاهرة الإسلام السياسي، لكنّ السنوات الأخيرة حملت معها تصعيدًا ملحوظًا في مستوى القلق من جماعة الإخوان المسلمين بوصفها التنظيم الأكثر قدرة على التغلغل داخل المجتمعات الأوروبية. فبينما ظلّ التعامل الأوروبي مع الجماعة يتسم بالازدواجية؛ إذ ينظر إليها البعض كحركة اجتماعية ذات طابع ديني، ويرى آخرون أنّها تمثل بوابة إلى التطرف والإرهاب؛ بدأ هذا التناقض يترجم في صورة مواقف سياسية جديدة.
فالهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا، من باريس إلى فيينا وبرلين، وإن لم يكن الإخوان ضالعين فيها بشكل مباشر، فقد أعادت النقاش حول البيئة الفكرية التي تهيئها الجماعة وتغذي بها الأوساط المتشددة. وفي ظلّ هذا المناخ المتوتر تزايدت الدعوات إلى التعامل مع الإخوان ليس كجمعيات "مدنية"، بل ككيان سياسي ـ إيديولوجي عابر للحدود، يهدد قيم الديمقراطية الأوروبية.
ومن هنا جاء السؤال البرلماني الأخير الذي تقدّم به النائب الفرنسي جان بول جارو إلى مجلس الاتحاد الأوروبي في يوليو الماضي، ليعكس انتقال النقاش من فضاء الإعلام والبحث الأكاديمي إلى قلب المؤسسات التشريعية، السؤال لم يكتفِ بطرح المخاوف، بل طالب بشكل مباشر بإدراج أبرز كيانات الجماعة الناشطة في أوروبا على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل.
وأكّد النائب أنّ الجماعة تتبنّى استراتيجية "التشتت"؛ فهي لا تعمل عبر تنظيم مركزي معلن، بل من خلال كيانات متفرقة تتشارك جميعها العقيدة نفسها والخطة ذاتها: أسلمة المجتمعات الأوروبية تدريجيًا عبر الخطب، والتظاهر بدور الضحية، والتغلغل في المؤسسات، واستخدام الضغط المجتمعي.
ولفت جارو إلى أنّ دولًا مثل النمسا وألمانيا سبقت إلى اتخاذ إجراءات ضد هذه الكيانات، عبر الحظر أو المراقبة الصارمة، معتبرًا أنّ الوقت قد حان لتبنّي مقاربة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي. وخصّ بالذكر "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي يُعدّ المظلة الأوسع للجماعة في القارة، و"المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" الذي يُخرّج أئمة يتشبعون بالفكر الإخواني، واختتم سؤاله بالاستفسار عمّا إذا كان المجلس سيجري مراجعة شاملة لنشاط الجماعة تمهيدًا للإدراج، وإن لم يكن كذلك، فما الأسباب القانونية والسياسية وراء الامتناع؟
وقد استفادت الجماعة من بيئة الحريات الأوروبية لتوسيع نشاطها تحت غطاء العمل الخيري والثقافي والتعليمي. ومع مرور العقود تشكّلت شبكة معقدة من الكيانات مرتبطة جميعها بالفكر والتنظيم الإخواني، بدءًا من الجمعيات الصغيرة في الأحياء، وصولًا إلى منظمات عابرة للحدود مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا".
في ألمانيا على سبيل المثال، تشير تقارير هيئة حماية الدستور إلى أنّ نحو (1000) ناشط مرتبطون بشكل مباشر بالإخوان، يديرون مئات الجمعيات والمراكز الإسلامية. وتعتبر السلطات الألمانية أنّ هدف الجماعة لا يقتصر على النشاط الديني، بل يمتد إلى التأثير السياسي والاجتماعي عبر مشروع "مجتمع بديل" يقوم على الشريعة. وفي النمسا مثّل إطلاق "خريطة الإسلام السياسي" عام 2021 خطوة فارقة في تسمية الجماعات المرتبطة بالإخوان وملاحقة نشاطها.
لكنّ الإشكالية تكمن في البُعد القانوني، فإدراج كيان على قوائم الإرهاب الأوروبية يتطلب أدلة واضحة على تورطه في أعمال عنف أو تحريض مباشر، وهو ما يجعل من الصعب ـ حتى الآن ـ إدراج الإخوان كتنظيم شامل. وفي المقابل، يرى باحثون أنّ الاكتفاء بهذا الشرط يترك ثغرة خطيرة تسمح للجماعة بالعمل بحرّية، رغم إسهامها في نشر خطاب يعزز الانعزال والانقسام داخل المجتمعات الأوروبية.
وبينما يشدد أنصار الجماعة على أنّها تمثل "تيارًا إصلاحيًا" يندمج في المجتمعات الأوروبية، تؤكد تقارير أمنية في ألمانيا وفرنسا أنّ الهدف الحقيقي للجماعة هو بناء "مجتمع موازٍ" يسعى إلى إعادة صياغة النظام القائم وفقًا لرؤيتها العقائدية.
ويطرح السؤال أيضًا قضية تعريف "الإرهاب غير المباشر": هل يكفي إنتاج بيئة فكرية متطرفة لاعتبار جماعة ما إرهابية؟ أم يجب انتظار وقوع أعمال عنف ملموسة؟ هذا الجدل القانوني ـ السياسي قد يطيل أمد أيّ تحرك أوروبي موحد ضد الجماعة.
وفي سياق أوسع، فإنّ مستقبل الموقف الأوروبي من الإخوان مرتبط أيضًا بالتحولات الجيوسياسية. فمع تصاعد الخلافات بين أوروبا وتركيا ـ التي تستضيف أبرز قيادات الجماعة ـ يزداد احتمال تشديد الرقابة الأوروبية. كما أنّ الضغوط الشعبية بعد موجات الهجرة وأزمات الاندماج قد تدفع الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا تجاه الإسلام السياسي عمومًا، والإخوان على وجه الخصوص.
ويأتي السؤال البرلماني الأخير كعلامة فارقة في علاقة الاتحاد الأوروبي بجماعة الإخوان المسلمين، فهو يعكس انتقال القلق من مستوى النقاش الأكاديمي والإعلامي إلى الفعل السياسي المباشر داخل مؤسسات الاتحاد. ورغم التحديات القانونية والسياسية، فإنّ تصاعد المطالبات بإدراج كيانات إخوانية على قوائم الإرهاب يؤشر إلى تحوّل تدريجي في المزاج الأوروبي.
لقد باتت أوروبا تدرك أنّ خطر الجماعة لا يقتصر على "التطرف العنيف"، بل يشمل كذلك "التطرف البطيء" الذي يزعزع أسس المجتمعات الديمقراطية ويؤسس لفضاءات موازية داخلها. والسؤال المطروح اليوم هو: هل يمتلك الاتحاد الإرادة السياسية والقانونية لترجمة هذا الإدراك إلى خطوات عملية؟ أم أنّ التباينات الداخلية ستبقي الملف رهينًا بالمراقبة والتقارير دون قرارات حاسمة؟
فالهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا، من باريس إلى فيينا وبرلين، وإن لم يكن الإخوان ضالعين فيها بشكل مباشر، فقد أعادت النقاش حول البيئة الفكرية التي تهيئها الجماعة وتغذي بها الأوساط المتشددة. وفي ظلّ هذا المناخ المتوتر تزايدت الدعوات إلى التعامل مع الإخوان ليس كجمعيات "مدنية"، بل ككيان سياسي ـ إيديولوجي عابر للحدود، يهدد قيم الديمقراطية الأوروبية.
ومن هنا جاء السؤال البرلماني الأخير الذي تقدّم به النائب الفرنسي جان بول جارو إلى مجلس الاتحاد الأوروبي في يوليو الماضي، ليعكس انتقال النقاش من فضاء الإعلام والبحث الأكاديمي إلى قلب المؤسسات التشريعية، السؤال لم يكتفِ بطرح المخاوف، بل طالب بشكل مباشر بإدراج أبرز كيانات الجماعة الناشطة في أوروبا على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل.
- مضمون السؤال البرلماني
وأكّد النائب أنّ الجماعة تتبنّى استراتيجية "التشتت"؛ فهي لا تعمل عبر تنظيم مركزي معلن، بل من خلال كيانات متفرقة تتشارك جميعها العقيدة نفسها والخطة ذاتها: أسلمة المجتمعات الأوروبية تدريجيًا عبر الخطب، والتظاهر بدور الضحية، والتغلغل في المؤسسات، واستخدام الضغط المجتمعي.
ولفت جارو إلى أنّ دولًا مثل النمسا وألمانيا سبقت إلى اتخاذ إجراءات ضد هذه الكيانات، عبر الحظر أو المراقبة الصارمة، معتبرًا أنّ الوقت قد حان لتبنّي مقاربة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي. وخصّ بالذكر "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي يُعدّ المظلة الأوسع للجماعة في القارة، و"المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" الذي يُخرّج أئمة يتشبعون بالفكر الإخواني، واختتم سؤاله بالاستفسار عمّا إذا كان المجلس سيجري مراجعة شاملة لنشاط الجماعة تمهيدًا للإدراج، وإن لم يكن كذلك، فما الأسباب القانونية والسياسية وراء الامتناع؟
- الإخوان في أوروبا: من الهامش إلى المركز
وقد استفادت الجماعة من بيئة الحريات الأوروبية لتوسيع نشاطها تحت غطاء العمل الخيري والثقافي والتعليمي. ومع مرور العقود تشكّلت شبكة معقدة من الكيانات مرتبطة جميعها بالفكر والتنظيم الإخواني، بدءًا من الجمعيات الصغيرة في الأحياء، وصولًا إلى منظمات عابرة للحدود مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا".
في ألمانيا على سبيل المثال، تشير تقارير هيئة حماية الدستور إلى أنّ نحو (1000) ناشط مرتبطون بشكل مباشر بالإخوان، يديرون مئات الجمعيات والمراكز الإسلامية. وتعتبر السلطات الألمانية أنّ هدف الجماعة لا يقتصر على النشاط الديني، بل يمتد إلى التأثير السياسي والاجتماعي عبر مشروع "مجتمع بديل" يقوم على الشريعة. وفي النمسا مثّل إطلاق "خريطة الإسلام السياسي" عام 2021 خطوة فارقة في تسمية الجماعات المرتبطة بالإخوان وملاحقة نشاطها.
- الرؤية الأمنية والقانونية
لكنّ الإشكالية تكمن في البُعد القانوني، فإدراج كيان على قوائم الإرهاب الأوروبية يتطلب أدلة واضحة على تورطه في أعمال عنف أو تحريض مباشر، وهو ما يجعل من الصعب ـ حتى الآن ـ إدراج الإخوان كتنظيم شامل. وفي المقابل، يرى باحثون أنّ الاكتفاء بهذا الشرط يترك ثغرة خطيرة تسمح للجماعة بالعمل بحرّية، رغم إسهامها في نشر خطاب يعزز الانعزال والانقسام داخل المجتمعات الأوروبية.
وبينما يشدد أنصار الجماعة على أنّها تمثل "تيارًا إصلاحيًا" يندمج في المجتمعات الأوروبية، تؤكد تقارير أمنية في ألمانيا وفرنسا أنّ الهدف الحقيقي للجماعة هو بناء "مجتمع موازٍ" يسعى إلى إعادة صياغة النظام القائم وفقًا لرؤيتها العقائدية.
- الجدل السياسي داخل البرلمان الأوروبي
ويطرح السؤال أيضًا قضية تعريف "الإرهاب غير المباشر": هل يكفي إنتاج بيئة فكرية متطرفة لاعتبار جماعة ما إرهابية؟ أم يجب انتظار وقوع أعمال عنف ملموسة؟ هذا الجدل القانوني ـ السياسي قد يطيل أمد أيّ تحرك أوروبي موحد ضد الجماعة.
- مستقبل التحركات الأوروبية
وفي سياق أوسع، فإنّ مستقبل الموقف الأوروبي من الإخوان مرتبط أيضًا بالتحولات الجيوسياسية. فمع تصاعد الخلافات بين أوروبا وتركيا ـ التي تستضيف أبرز قيادات الجماعة ـ يزداد احتمال تشديد الرقابة الأوروبية. كما أنّ الضغوط الشعبية بعد موجات الهجرة وأزمات الاندماج قد تدفع الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر حزمًا تجاه الإسلام السياسي عمومًا، والإخوان على وجه الخصوص.
ويأتي السؤال البرلماني الأخير كعلامة فارقة في علاقة الاتحاد الأوروبي بجماعة الإخوان المسلمين، فهو يعكس انتقال القلق من مستوى النقاش الأكاديمي والإعلامي إلى الفعل السياسي المباشر داخل مؤسسات الاتحاد. ورغم التحديات القانونية والسياسية، فإنّ تصاعد المطالبات بإدراج كيانات إخوانية على قوائم الإرهاب يؤشر إلى تحوّل تدريجي في المزاج الأوروبي.
لقد باتت أوروبا تدرك أنّ خطر الجماعة لا يقتصر على "التطرف العنيف"، بل يشمل كذلك "التطرف البطيء" الذي يزعزع أسس المجتمعات الديمقراطية ويؤسس لفضاءات موازية داخلها. والسؤال المطروح اليوم هو: هل يمتلك الاتحاد الإرادة السياسية والقانونية لترجمة هذا الإدراك إلى خطوات عملية؟ أم أنّ التباينات الداخلية ستبقي الملف رهينًا بالمراقبة والتقارير دون قرارات حاسمة؟


















