> تعز "الأيام" خاص:

  • توقف تام لأعمال النظافة بسبب إضراب العمال وحرب بيانات تربك الحملة الأمنية
> ألقت شرطة محافظة تعز، اليوم وأمس، القبض على أربعة مشتبهين جدد في جريمة اغتيال مديرة صندوق النظافة والتحسين افتهان المشهري، بينهم سائق الدراجة النارية التي استُخدمت في العملية، ليرتفع عدد الموقوفين إلى ثمانية أشخاص، بينهم أربعة من المتهمين الرئيسيين.

ورغم الحملات المعلنة وأعداد الذين تم ضبطهم على خلفية الجريمة من قبل الأجهزة الأمنية إلا أن المتهم الرئيسي لا يزال حرًّا طليقًا، وسط معلومات تؤكد تواجده في منطقة الروضة الخاضعة لسيطرة قوات اللواء 170 التابع لحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) ومجاميع مسلحة مرتبطة به.

وعلى الرغم من البيانات الرسمية التي تصدرها قيادة المحور العسكري وشرطة تعز حول نجاح الحملات الأمنية في ضبط المطلوبين، إلا أن الشارع التعزي بات أكثر تشكيكًا في جدية هذه الإجراءات، إذ تُتهم قيادة المحور بالعمل على حماية عناصر نافذة متورطة في الجريمة والتستر على مطلوبين تربطهم صلات مباشرة بقيادات عسكرية. ويرى ناشطون أن البيانات التي تتحدث عن “انسجام كامل بين الوحدات” لا تعدو كونها غطاءً لمحاولة نفي الخلافات العميقة داخل الأجهزة الأمنية، وإخفاء حالة التواطؤ التي سمحت بوقوع الجريمة أساسًا.

المتظاهرون الذين واصلوا احتجاجاتهم لليوم الخامس على التوالي، حملوا بصراحة محافظ تعز نبيل شمسان وقائد المحور اللواء خالد فاضل المسؤولية الكاملة عن الانفلات الأمني، معتبرين أن المحور لم يعد قوة ضامنة للأمن بل تحول إلى عائق أمام العدالة، من خلال حماية متنفذين وعرقلة ملاحقة القتلة. ويؤكد المحتجون أن إفلات بعض المتهمين من قبضة العدالة ما كان ليتم لولا الغطاء الذي يوفره المحور.

إلى جانب الغليان الشعبي، دخل عمال وموظفو صندوق النظافة في إضراب مفتوح منذ الخميس الماضي، ما أدى إلى تراكم القمامة في شوارع المدينة، في خطوة احتجاجية مباشرة ضد السلطة المحلية والأجهزة الأمنية التي عجزت عن حماية زميلتهم المغدورة. هذا التوقف كشف حجم الأزمة التي باتت تعز تواجهها، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على اغتيال مسؤول حكومي بل تحول إلى شلل خدمي يزيد من معاناة السكان.

مراقبون يحذرون من أن استمرار المحور في لعب دور المظلة الحامية لبعض المطلوبين، سيقود إلى فقدان كامل لثقة المواطنين بالأجهزة العسكرية، ويفتح الباب أمام انفجار شعبي واسع ضد السلطات المحلية. كما يرون أن الجريمة مثلت اختبارًا حقيقيًّا للمؤسسة الأمنية والعسكرية في تعز، لكن الأحداث الجارية أظهرت أن هذه المؤسسات واقعة تحت نفوذ قوى حزبية ومسلحة تتقاطع مصالحها مع الفوضى أكثر من ارتباطها بفرض النظام.

ويخلص هؤلاء إلى أن أي معالجات شكلية لن تُجدي، ما لم يُعاد النظر في تركيبة المحور العسكري ذاته، باعتباره أبرز عقبة أمام بناء مؤسسات أمنية مهنية قادرة على فرض هيبة الدولة، وإنهاء واقع التستر على المطلوبين الذي كرّس مدينة تعز كبيئة خصبة للجريمة والفوضى.

ويأتي هذا الجدل في وقت تتضارب فيه البيانات والتصريحات الرسمية، ما أثار شكوكا واسعة لدى الشارع التعزي إزاء جدية الأجهزة الأمنية والعسكرية في التعامل مع واحدة من أبرز القضايا التي هزت الرأي العام.

صباح الاثنين، خرج الناطق الرسمي باسم شرطة تعز، أسامة الشرعبي، بتصريحات مفاجئة كشف فيها الكواليس الخفية وراء فشل الحملات الأمنية، مؤكدًا أن مسلحين موالين للقيادي الإخواني حمود المخلافي اعترضوا مهمة قوات الأمن أثناء محاولتها مداهمة منزل في حي الروضة يُعتقد بوجود المتهم فيه.

وقال الشرعبي، في منشور على صفحته بموقع "فيسبوك"، إن محمد سعيد المخلافي، شقيق حمود المخلافي وأحد قيادات اللواء 170، هو من اعترض الحملة ومنعها من تنفيذ مهمتها، داعيًا قيادة المحور وحمود المخلافي إلى "الإيفاء بالتزاماتهم في التعاون مع الحملة الأمنية"، محملًا إياهم مسؤولية عرقلة العدالة. وأكد الشرعبي أن "الحملة ستظل مستمرة"، مطالبًا أبناء تعز بالالتفاف والتعاون لإنهاء حالة الفوضى وتجفيف منابع التستر على المطلوبين.

تصريحات الشرعبي، التي اعتُبرت الأكثر جرأة منذ بدء القضية، جاءت لتكشف المستور حول الجهة الحقيقية التي تقف وراء عرقلة ضبط المتهم الرئيسي، مشيرًا بشكل مباشر إلى أن قيادة اللواء 170 الموالي لحزب الإصلاح توفر له الحماية.

لاحقًا، تداولت حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخبارًا عن تحركات أمنية وعسكرية لاقتحام منطقة الروضة وتعقب المتهم، إلا أن شرطة تعز سارعت إلى نفيها، وهو ما زاد من الشكوك بشأن وجود مماطلة متعمدة من الأجهزة الأمنية ومحور تعز لحسابات حزبية وسياسية.

وفي المقابل، شنّت قيادات إخوانية حملات إعلامية معاكسة استهدفت المتحدث باسم الشرطة، في محاولة للتشكيك بمصداقيته وخلط أوراق القضية. ومن بين تلك الأصوات ياسين التميمي، مدير علاقات مكتب حمود المخلافي، الذي اتهم الشرعبي بأنه "يعمد إلى قتل الشهيدة المشهري مرتين"، مدافعًا عن المخلافي وشقيقه، ومشيرًا إلى أن "الملف الجنائي يدار بطريقة لئيمة وتفوح منه رائحة الأجهزة الاستخباراتية". كما حاول ربط تصريحات الشرعبي بعلاقاته المزعومة بالوزير الأسبق ورئيس جهاز الأمن السياسي الأسبق حمود الصوفي.

وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي والإعلامي، صدر مساء الاثنين بيان مشترك من قيادة محور تعز وإدارة شرطة المحافظة بشأن "الحملة الأمنية المشتركة". البيان أكد أن "الجريمة البشعة لن تمرّ دون عقاب رادع، وأن دماء الشهيدة أمانة في أعناقنا جميعًا". لكن البيان لم يذكر أية حملة مشتركة لتعقب المجرم في منطقة الروضة التي تعد معقل القوات الإخوانية بتعز.

وأضاف البيان أن الجهود الأمنية والعسكرية نجحت حتى الآن في القبض على أربعة من المتهمين الرئيسيين، فيما يجري "تعقب بقية المتهمين بحزم واقتدار"، مؤكدًا أن الحملة واصلت انتشارها في المربع الشمالي الشرقي لتعز، حيث يُرجّح وجود المطلوب الأول. وأوضح أن القوات الأمنية نصبت نقاط تفتيش وحواجز أمنية، واستعانت بوحدات الشرطة النسائية لتفتيش بعض المنازل، ضمن عمليات منظمة وبقيادة ميدانية وغرفة عمليات مشتركة.

ورغم الطابع الرسمي للبيان، إلا أن مراقبين اعتبروا صدوره محاولة لتبرئة قوات المحور الإخواني من تهمة التستر على المتهم الرئيسي، في ظل الاتهامات المتصاعدة التي تكشف عن تواطؤ أطراف نافذة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.

ومع استمرار التباين في الروايات وتبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، تبقى قضية اغتيال افتهان المشهري في قلب المشهد بتعز، وسط مطالبات شعبية بالكشف عن القاتل ومحاسبة من يعرقل العدالة، باعتبار أن إفلات المتهم من العقاب سيكرس بيئة الفوضى والانفلات الأمني، ويزيد من تعميق الانقسامات داخل المدينة المحاصرة منذ سنوات.