الاختلاف في الرأي أمر طبيعي في كل شؤون الحياة، تبعًا لمواقفنا ومفاهيمنا وتمايز مستوى تفكيرنا، ولكن يجب أن لا يتحول إلى خصومة وعداوة، وكم نحن بحاجة لتعلم أدب الاختلاف في الرأي كمسلك أخلاقي يرتكز على احترام الآخر وتقبل ومناقشة رأيه المطروح الذي قد نختلف معه بالحوار الموضوعي دون تقليل أو تحقير أو خصومة.

وحينما يتعلق الأمر بالمواقف السياسية من قضية تخصنا جميعاً، وهي قضية استعادة دولتنا الجنوبية، لا بد أن نقبل بتعدد الآراء ونناقش مضامينها وأبعادها بكل هدوء وموضوعية. فالحوار الناضج ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ركيزة لبناء أي مشروع وطني، وأساس لخلق وحدة داخلية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات. والاختلاف في الرأي لا يعني العداء، بل هو دليل على ثراء الفكر وتنوع التجربة، شرط أن يُدار الاختلاف بعقل راجح وقلب مفتوح.

ولا أدري لماذا نناقش أصحاب الآراء التي تخص قضية شعبنا الجنوبي واستقلاله إمّا بتعصّب أعمى، فنقبل بما طرحوه من أفكار على عِلاتها وبدون اعتراض، وكأنها الحقيقة المطلقة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فقط بدافع المحبة والولاء للشخص صاحب الرأي، وقد قيل بحق: "الحب أعمى".

أو على النقيض تمامًا، نواجه هذه الآراء بالنفي والتشويه والتخوين، لا لشيء سوى أننا لا نتفق مع صاحبها، فننسى جوهر القضية وننصرف إلى مهاجمة الأشخاص بدلاً من مناقشة الأفكار.

إن هذا السلوك يُفقدنا القدرة على استخلاص المفيد من كل رأي، ويحول بيننا وبين بناء وعي جمعي ناضج يقوم على التكامل لا التناحر، وعلى النقد البنّاء لا التدمير.

نحن بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نتعلم لغة الحوار فيما بيننا: لغة تقوم على احترام الرأي والرأي الآخر.

لغة تجعلنا نُحسن الإصغاء قبل الرد، ونبحث عن مساحة مشتركة قبل أن نُظهر مواضع الخلاف.

لغة تجعل النقد وسيلة للإصلاح، لا سلاحًا للتشهير.

لغة ترفع من قيمة الفكرة وقوتها بالحجة والبرهان، لا بالانفعال والتهويل.

إن قضيتنا الجنوبية قضية وطن وهوية ومصير، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحة مزايدات أو تصفية حسابات شخصية. علينا أن نتفق أن الوطن أكبر من الجميع، وأن مصلحة الجنوب يجب أن تكون البوصلة التي تهدي حوارنا، وتضبط انفعالاتنا، وتوجه نقاشاتنا.

فلنتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتحاور دون أن نتعصب، أو نسيء لمن نختلف معهم في الرأي، وكيف نجعل من النقد جسرًا نحو الحقيقة لا جدارًا يفصل بين القلوب. عندها فقط نكون قد وضعنا الأساس المتين لنهضة شعبنا واستقلاله.