هل تذكرون لعبة الاحتكار ، التي عُرفت باسم المونوبولي؟ تلك اللعبة التي تبدأ بورقٍ ملوّن ينتهي بتفليس الآخرين، حيث يتحول الذكاء إلى دهاء، والمنافسة إلى احتكار، واللعب إلى درسٍ قاسٍ في منطق السيطرة و المال؟ اليوم، ما أشبه واقعنا السياسي و الاقتصادي بهذه اللعبة تمامًا.

فالطاولة هي الوطن، والمربعات هي مؤسسات الدولة، والنرد يُرمى بأيدي قلّةٍ تتقن فنّ البقاء لا فنّ الحكم.

في النسخة السياسية من المونوبولي، لا يبدأ الجميع على قدم المساواة.

هناك من وُلد في مربع الفرصة، وآخر ما زال عالقًا في مربع السجن، وثالث ما زال يبحث عن طريقٍ يوصله إلى الانطلاق.

القواعد تُكتب بلغة المصالح، والبنك بيد المتنفذين، والعدالة مجرد بطاقة لا تُمنح إلا في المناسبات. يرمي التاجر السياسي النرد أولًا ، فيهبط مباشرة على حقول الثروة والامتيازات، فيضع يده عليها باسم الاستثمار الوطني. ثم يتحرك المسؤول العائد من الاستراحة بخفة، فيلتقط بطاقة المنحة الدولية بابتسامةٍ واثقة ، لأنه يعلم أن اللعبة لا تعاقب من يعرف كيف تُدار.

أما المواطن ، فيرمي نرده فينتهي غالبًا في مربع الضرائب أو السجن أو افقد دورك القادم، كأن اللعبة كُتبت لتذكّره أنه ليس لاعبًا بل قطعة.

كل دورة جديدة من اللعبة لا تعني تقدّمًا في البناء، بل إعادة ترتيبٍ لملكية الوطن بين نفس الأسماء بألوان مختلفة.

الأرض ذاتها، والألم ذاته، والفارق الوحيد هو أن اللعبة تستمر بينما الناس تُفلس من صبرها. لقد تحوّل الاحتكار السياسي إلى النسخة الأشد قسوة من المونوبولي، فيها يُمنع الناس من التملّك حتى لأحلامهم، و يُختصر الوطن في أرصدة وشعارات. لا وجود للبنك العام للشعب، بل هناك مصارف للنفوذ تقتسم ريع اللعبة ، ولا فائز في النهاية ، لأن الكل خاسر حين يُفلس الوطن.

ربما آن الأوان أن نكسر اللوح بدل أن نعيد تدوير النرد.

فالوطن ليس ساحة مراهنات سياسية، بل بيتٌ يجب أن تُعاد كتابته بقواعد عدلٍ وضميرٍ وإنسانيةٍ ، حتى يعود المواطن لاعبًا في وطنه لا رهينة في لعبة الآخرين.

في أوطانٍ تحوّلت إلى لوح احتكار، لم يعد النرد يُحدِّد المصير، بل الأيدي التي ترميه.

والقواعد لا تُصلح باللعب… بل بكسر اللعبة ذاتها.