إن استحضار مشروع قانون الحكم المحلي الذي أعدّه حزب رابطة أبناء الجنوب العربي (رأي) في العام 1998م، ليس مجرد استذكارٍ لورقة سياسية، بل هو استدعاء لوعيٍ مبكر حاول، في مرحلة حالكة من تاريخ الجنوب، أن يصنع من بدن الظلام نورًا وضاءً.
ذلك المشروع، الذي أحتفظ بنسخةٍ منه، ولا شك أنه ما يزال محفوظًا في أرشيف حزب الرابطة، مثّل آنذاك رؤية استشرافية عميقة للمستقبل، سعت إلى وضع اللبنات الأولى لبناء نظام حكم وطني، عصري، ومؤسسي، تتوزع فيه الصلاحيات بوضوح، ويتكامل فيه القرار بين المركز و المناطق. لقد جمع المشروع نخبة من الشخصيات القانونية و الأكاديمية والسياسية والاجتماعية و الإعلامية ، و أسّس لثقافة حكم محلي رشيد، يعبّر عن الإرادة الشعبية في إدارة شؤونها بنفسها، ضمن إطار ديمقراطي يكفل العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة . وقد حمل غلاف المشروع – كما يظهر في الصورة المرفقة – عبارة «الجمهورية اليمنية – اللجنة الوطنية لإعداد المشروع الوطني للحكم المحلي – إصدار حزب رابطة أبناء الجنوب العربي (رأي)»، وهو ما يوثّق الجهد المؤسسي الذي بذل آنذاك في لحظة سياسية بالغة التعقيد، عقب حرب صيف 1994م وما ترتب عليها من إخضاع الجنوب لإدارة مركزية من صنعاء . غير أن الرياح السياسية التي أعقبت تلك المرحلة حالت دون تنفيذ الرؤية، إذ استمر النظام السابق في إدارة البلاد بعقلية المركز الواحد، وتغليب المصالح الضيقة والمنافع السياسية على حساب المصلحة الوطنية العليا، حتى أنتجت تلك السياسات الحرب الجديدة القديمة التي أعادت مشهد الصراع و التنازع ذاته . لقد دفع هذا الواقع بالناس مرة أخرى إلى محاولة تغيير واقعهم بأيديهم، فبرزت فئاتٌ تُصنّف نفسها دعاة “جهاد” أو “وحدة يمنية” وفق منطلقاتٍ أيديولوجية متطرفة تستلهم نموذجًا صفويًا ملاليًا دخيلًا على طبيعة المجتمع الجنوبي و هويته . و اليوم ، في ظل واقعٍ متغير لحظةً بلحظة، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة من الوعي الجنوبي، تتجه نحو صياغة نظام حكم فيدرالي جنوبي يتيح لكل محافظة ومنطقة إدارة شؤونها بحريةٍ ومسؤولية، ضمن إطار دولة جنوبية عادلة وقادرة.
هذا التوجه ليس وليد الصدفة ، بل هو امتداد طبيعي لتلك الرؤية التي وُضعت قبل أكثر من ربع قرن في مشروع الحكم المحلي للرابطة، واليوم تتجدد مضامينها في وثيقة وميثاق الحوار الوطني الجنوبي – الجنوبي الذي عُقد مؤخرًا في عدن، وخرج بمشروع جنوبي متكامل يحتاج إلى تكامل حقيقي في التنفيذ والرؤية، بعيدًا عن العاطفة والشعارات، وقريبًا من الفعل المؤسسي والعقل السياسي المتوازن.
ما أحوجنا اليوم إلى تعزيز الرؤية والتلاقي والنصح فيما بيننا، مستلهمين دروس الماضي وعِبَره، بعد أن أثقلت التجارب كاهل هذا الوطن وأبناءه.
إن الواجب الوطني يقتضي أن نرتقي بخطابنا وممارساتنا إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن نُعيد الاعتبار لقيمة الفكرة الصادقة والنية الخالصة في خدمة الجنوب وقضيته.
لقد آن الأوان لأن نبتعد عن التسويق الإلكتروني والسياسي الذي استهلك طاقاتنا، وبدّد جهدنا في سجالات لا تبني ولا تُقوّي، وأن نوجّه كل إمكاناتنا نحو صياغة مشروع وطني جامع، يستند إلى العقل والمنهج والعمل المؤسسي، لا إلى الارتجال و الانفعال . فالأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالرؤية المشتركة والإرادة الصلبة والتكامل الصادق بين أبنائها، وهذا هو الطريق الذي يعيد للجنوب مكانته، ولعدن دورها الريادي كمهد للفكر و التمدّن والحرية.
اليوم ، تأتينا ذكرى ثورة 14 أكتوبر من العام 1963م، والتي حتى في ذكراها نختلف، لأن هناك من لا يزال أسيرًا لماضٍ دفين . و على الرغم مما يخالج الجميع من مشاعر وألم يصاحب تاريخه، نقول إننا في أمسّ الحاجة إلى تغييرٍ حقيقيٍ يلامس حاضرنا ومستقبلنا، وأن نتحول في اتجاهٍ واحد نحو التلاقي والبدء بعملٍ جادٍّ وحقيقي يضمّ ولا يفرّق بين جميع مكونات المجتمع المدني في الجنوب، مدنيًا وعسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
ما أحوجنا إلى تعزيز الرؤية والتلاقي والنصح فيما بيننا، مستلهمين دروس وعِبَر الماضي الأليم، بعيدًا عن التسويق الإلكتروني أو السياسي الذي استُهلك واستُنفدت معه الطاقات في غير محلها أو مجالها. فها هو الغلاف الذي بين أيدينا، بما يحمله من عنوان «المشروع الوطني» وإصدار رسمي للجنة إعداد المشروع الوطني للحكم المحلي في الجمهورية اليمنية، يعكس مرحلة حاول فيها العقل الجمعي أن يؤسس لنظام يقوم على الإدارة الرشيدة والمشاركة الفاعلة، لكنه – وللأسف – ظل حبيس الأدراج بين اجتهادات لم تكتمل، ورؤى لم تتجسد.
واليوم، ونحن أمام واقع يفرض علينا مراجعة كل ما مضى، لزامٌ علينا أن نُعيد إحياء فكرة المشروع الوطني الحقيقي، لا كشعار سياسي، بل كمنظومة قيم وعدالة ورؤية عمل تُبنى على التلاقي والمصارحة لا على التسويق والمغالبة.
ذلك المشروع، الذي أحتفظ بنسخةٍ منه، ولا شك أنه ما يزال محفوظًا في أرشيف حزب الرابطة، مثّل آنذاك رؤية استشرافية عميقة للمستقبل، سعت إلى وضع اللبنات الأولى لبناء نظام حكم وطني، عصري، ومؤسسي، تتوزع فيه الصلاحيات بوضوح، ويتكامل فيه القرار بين المركز و المناطق. لقد جمع المشروع نخبة من الشخصيات القانونية و الأكاديمية والسياسية والاجتماعية و الإعلامية ، و أسّس لثقافة حكم محلي رشيد، يعبّر عن الإرادة الشعبية في إدارة شؤونها بنفسها، ضمن إطار ديمقراطي يكفل العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة . وقد حمل غلاف المشروع – كما يظهر في الصورة المرفقة – عبارة «الجمهورية اليمنية – اللجنة الوطنية لإعداد المشروع الوطني للحكم المحلي – إصدار حزب رابطة أبناء الجنوب العربي (رأي)»، وهو ما يوثّق الجهد المؤسسي الذي بذل آنذاك في لحظة سياسية بالغة التعقيد، عقب حرب صيف 1994م وما ترتب عليها من إخضاع الجنوب لإدارة مركزية من صنعاء . غير أن الرياح السياسية التي أعقبت تلك المرحلة حالت دون تنفيذ الرؤية، إذ استمر النظام السابق في إدارة البلاد بعقلية المركز الواحد، وتغليب المصالح الضيقة والمنافع السياسية على حساب المصلحة الوطنية العليا، حتى أنتجت تلك السياسات الحرب الجديدة القديمة التي أعادت مشهد الصراع و التنازع ذاته . لقد دفع هذا الواقع بالناس مرة أخرى إلى محاولة تغيير واقعهم بأيديهم، فبرزت فئاتٌ تُصنّف نفسها دعاة “جهاد” أو “وحدة يمنية” وفق منطلقاتٍ أيديولوجية متطرفة تستلهم نموذجًا صفويًا ملاليًا دخيلًا على طبيعة المجتمع الجنوبي و هويته . و اليوم ، في ظل واقعٍ متغير لحظةً بلحظة، نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة من الوعي الجنوبي، تتجه نحو صياغة نظام حكم فيدرالي جنوبي يتيح لكل محافظة ومنطقة إدارة شؤونها بحريةٍ ومسؤولية، ضمن إطار دولة جنوبية عادلة وقادرة.
هذا التوجه ليس وليد الصدفة ، بل هو امتداد طبيعي لتلك الرؤية التي وُضعت قبل أكثر من ربع قرن في مشروع الحكم المحلي للرابطة، واليوم تتجدد مضامينها في وثيقة وميثاق الحوار الوطني الجنوبي – الجنوبي الذي عُقد مؤخرًا في عدن، وخرج بمشروع جنوبي متكامل يحتاج إلى تكامل حقيقي في التنفيذ والرؤية، بعيدًا عن العاطفة والشعارات، وقريبًا من الفعل المؤسسي والعقل السياسي المتوازن.
ما أحوجنا اليوم إلى تعزيز الرؤية والتلاقي والنصح فيما بيننا، مستلهمين دروس الماضي وعِبَره، بعد أن أثقلت التجارب كاهل هذا الوطن وأبناءه.
إن الواجب الوطني يقتضي أن نرتقي بخطابنا وممارساتنا إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن نُعيد الاعتبار لقيمة الفكرة الصادقة والنية الخالصة في خدمة الجنوب وقضيته.
لقد آن الأوان لأن نبتعد عن التسويق الإلكتروني والسياسي الذي استهلك طاقاتنا، وبدّد جهدنا في سجالات لا تبني ولا تُقوّي، وأن نوجّه كل إمكاناتنا نحو صياغة مشروع وطني جامع، يستند إلى العقل والمنهج والعمل المؤسسي، لا إلى الارتجال و الانفعال . فالأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالرؤية المشتركة والإرادة الصلبة والتكامل الصادق بين أبنائها، وهذا هو الطريق الذي يعيد للجنوب مكانته، ولعدن دورها الريادي كمهد للفكر و التمدّن والحرية.
اليوم ، تأتينا ذكرى ثورة 14 أكتوبر من العام 1963م، والتي حتى في ذكراها نختلف، لأن هناك من لا يزال أسيرًا لماضٍ دفين . و على الرغم مما يخالج الجميع من مشاعر وألم يصاحب تاريخه، نقول إننا في أمسّ الحاجة إلى تغييرٍ حقيقيٍ يلامس حاضرنا ومستقبلنا، وأن نتحول في اتجاهٍ واحد نحو التلاقي والبدء بعملٍ جادٍّ وحقيقي يضمّ ولا يفرّق بين جميع مكونات المجتمع المدني في الجنوب، مدنيًا وعسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
ما أحوجنا إلى تعزيز الرؤية والتلاقي والنصح فيما بيننا، مستلهمين دروس وعِبَر الماضي الأليم، بعيدًا عن التسويق الإلكتروني أو السياسي الذي استُهلك واستُنفدت معه الطاقات في غير محلها أو مجالها. فها هو الغلاف الذي بين أيدينا، بما يحمله من عنوان «المشروع الوطني» وإصدار رسمي للجنة إعداد المشروع الوطني للحكم المحلي في الجمهورية اليمنية، يعكس مرحلة حاول فيها العقل الجمعي أن يؤسس لنظام يقوم على الإدارة الرشيدة والمشاركة الفاعلة، لكنه – وللأسف – ظل حبيس الأدراج بين اجتهادات لم تكتمل، ورؤى لم تتجسد.
واليوم، ونحن أمام واقع يفرض علينا مراجعة كل ما مضى، لزامٌ علينا أن نُعيد إحياء فكرة المشروع الوطني الحقيقي، لا كشعار سياسي، بل كمنظومة قيم وعدالة ورؤية عمل تُبنى على التلاقي والمصارحة لا على التسويق والمغالبة.


















