ثورة 14 من أكتوبر يفترض أن تبلغ الآن سن الحكمة والحلم والرشد اثنان وستون عامًا كافية أن نتعامل معها بكثير من الوعي والاتزان واستخراج الدروس والعبر.

ونقر بأن لها (الثورة) وقتا غير وقتنا وزمنا غير هذا الزمن، فإن أحببنا أن ننصب من أنفسنا قضاة لمحاكمتها فيجب أن تكون صفحات الادعاء مبنية على ظروف ومعطيات ذلك الزمان دون أن نتعسف زمننا وظروفنا الحالية لتكون مدخلا لنا للحكم على زمن يفصلنا عنه ستون عاما ونيف. وما كان صالحا في الستينات من القرن العشرين فهو غير صالح في نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

مثلا هذه الثورة الأبية؛ ثورة الرابع عشر من أكتوبر، كانت تستلهم عزمها وتصميمها من الإرادة الجمعية للشعب في الجنوب. وكانت خطاها تمضي على نسق من الحق القانوني الذي تؤيده مواثيق الأمم المتحدة والهيئات الأخرى التي أقرت بإجماع الدول على طي صفحة الاستعمار من على ظهر البسيطة استنادًا على حقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945م.

ودون أن ننسى أن الشعب بكافة فئاته كان مع الثورة في المدينة " عدن " أو الريف الجنوبي، سواء كانت مناصرة أو تأييدًا أو مشاركة في العمل الفدائي العسكري، فخيار هذه الثورة كان ـ بوضوح ـ منذ البدء: الكفاح المسلح.

هذا الخيار له عمق في تاريخنا المعاصر مذ وطئت أقدام هينز أرض عدن التاريخية (كريتر) في 19 يناير 1839م. لم تتوقف الانتفاضات والهبات الشعبية والقبلية؛ العسكرية بطبيعة الحال، وازدادت وتيرتها في خمسينات القرن الماضي، واستخدم الإنجليز الطائرات لقمعها، وكان من بين ضحايا القمع الإنجليزي سلاطين ضحوا بسلطناتهم من أجل الحرية؛ مثل السلطان الثائر علي عبدالكريم في لحج والسلطان البطل الشهيد محمد بن عيدروس العفيفي في سلطنة يافع، وزعماء قبائل ومناضلون في بلاد الربيزي والعوالق والصبيحة وردفان والضالع وغيرها.

وربما كان من أخطاء قادة الجبهة القومية أنهم لم يستقطبوا كل القوى الوطنية المناهضة للاستعمار، وأن لا ترفع شعار من ليس معنا فهو ضدنا. ولكننا نتفهم الصياغ التاريخي للصراع والتعصب الذي تمثله مدرسة(حركة) القوميين العرب التي كانت تدفع بالأمور نحو تحقيق موطأ قدم لها في الجنوب العربي لتكون الحاكمة بأمرها فيه، بعد أن فشلت في سوريا والأردن والعراق مدفوعة أيضًا بـ(مركب نقص) إزاء شعبية وكاريزما الزعيم الخالد جمال عبدالناصر التي بإمكانها أن تغطي مساحة جماهيرية واسعة بين طنجة والمنامة وحلب وعدن دون عناء، فأعماها ذلك من أن تذهب باتجاه عبدالناصر الذي كان أساسًا مشبعًا بالفكر القومي العربي النقي.

مثلًا؛ ما الضير أن تتوحد البندقية المقاومة للاستعمار باندماج وتوحد أكبر فصيلين في الثورة: الجبهة القومية وجبهة التحرير، وقد أدرك حقيقة وحدة الأداة الثورية بعض قادة الصف الأول مثل سالم زين وطه مقبل وعلي أحمد السلامي وعبدالفتاح إسماعيل الذين وقعوا على دمج الجبهتين في جبهة واحدة وكان بالإمكان أن يشتد أوار الثورة بعد التوحد لولا المعارضة القوية داخل صفوف الجبهة القومية وتخوين من قاموا بالدمج، وهو ما أفضى بعد ذلك إلى حربين أهليتين في عدن والاستمرار في ملاحقة وتصفية القوى الثورية والسياسية الأخرى من خارج الجبهة القومية بعد الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، قبل أن تنقلب هذه التصفيات إلى تصفية الجسد الواحد؛ الجبهة القومية نفسها، بعد أن فرغت من (خصومها) استرشادا بانقسام حركة القوميين العرب الأم في بيروت وانقسامها إلى جبهتين ماركسيتين هما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نائف حواتمة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش وتنكرهما للفكر القومي العربي نكاية بعبدالناصر وأن القومية العربية والاسترشاد بها كان سببًا في هزيمة حزيران 1967م، دون أن يتذكر منظروها أن المسلمين قد هزموا في معركة (أحد) في العام الثالث الهجري ومع ذلك لم ينهزم الإسلام إطلاقا.

لكن كل ذلك لا يجعلنا أن نحاسب ثورة أكتوبر - كثورة - تشاركت في صناعتها كل قوى الشعب من فلاحين وعمال وجنود وشباب ونساء وطلاب ونقابات وقوى سياسية متعددة ومنظمات المجتمع المدني والصحافة العدنية، على أخطاء قادتها.

ولقد كانت عدن هي رائدة هذه الثورة ومحورها الأساسي والأبرز لوجود القاعدة البريطانية فيها، وانتصرت الثورة لأن عدن عنوان هذه الثورة، الخلود والمجد لثورة الـ 14من أكتوبر في ذكراها الثانية والستين والرحمة لشهداء الثورة الأبطال.