في قلب العاصمة الفرنسية، وتحت أعين آلاف الكاميرات، سُرقت عشر قطع أثرية نادرة من متحف اللوفر خلال عشر دقائق فقط، في واحدة من أجرأ العمليات التي شهدتها أوروبا الحديثة.

حدث كهذا لم يهز فقط كبرياء فرنسا، بل فضح هشاشة المنظومات الأمنية حين تغيب عنها الروح وتغرق في الشكل دون الجوهر.

كيف يمكن أن تُسرق مجوهرات نابليون ومقتنيات الدولة من داخل المربع الأمني الأكثر تحصينًا في فرنسا؟

السؤال هنا ليس عن كيفية تنفيذ العملية، بل عن مدى التآكل الذي يصيب حتى أكثر الدول صرامة حين تضعف ثقتها بذاتها، ويستبد بها الغرور المؤسسي.

فرنسا التي تغنّت طويلاً بأنها "أمّ النظام والقانون" اكتشفت فجأة أن القانون بلا ضمير يصبح هشًّا، وأن الأنظمة مهما بلغت دقتها تنهار أمام لحظة إهمال واحدة أو خيانة من الداخل.

إنها الصورة ذاتها التي نعيشها نحن، وإن اختلف المكان والزمان، فعندنا، تُسرق العدالة من المحاكم لا من المتاحف.. تُنهب الدولة من داخلها لا من حدودها.

ويُختطف الوطن على مرأى ومسمع من الجميع، ثم تُكتب البيانات ببرود وكأن شيئًا لم يحدث.

في عدن، وفي الجنوب كله، لسنا بحاجة إلى لصوص يسرقون تاريخنا، فالتاريخ يُنهب كل يوم حين يُزوّر الوعي، ويُكمم الصوت، وتُغتال القيم التي قامت عليها هذه المدينة ذات الوجه المدني النبيل.

السرقة الحقيقية ليست في متحف اللوفر، بل في سرقة الثقة من نفوس الناس، وسرقة الأمل من قلوب الشباب، وسرقة القانون من يد العدالة.

ما جرى في باريس ليس سوى مرآة لما يحدث في كل مكان حين يتحوّل النظام إلى روتين، والقانون إلى مظهر، والرقابة إلى ديكور.

وحين تغيب المسؤولية، يصبح اللص هو من يملك المبادرة، والسلطة هي التي تكتفي بالمشاهدة.

قد يُعاد ما سُرق من متحف اللوفر، لكن من يعيد ما سُرق من روح الشعوب؟

ومن يردّ اعتبار المدن التي سُلبت قيمها وطمست ملامحها باسم السياسة والفساد والسلطة؟