> صالح لجوري:

موع الذكريات وحرمان أطفال "حافة السبراتي" من الإضاءة
> في مدينةٍ كانت تُعرف يومًا بأنها منارة النور والحياة، تُطفأ اليوم مصابيحها تباعًا، ويغرق أطفالها في عتمةٍ لم يألفوها من قبل.

في قلب عدن، بين أزقة حافة السبراتي”، ترقد حكايات من الحرمان والذكريات، تُروى على ضوء الهواتف الضعيف، وتُكتب بدموع الشوق إلى أيامٍ مضت كان فيها الضوء صديقًا للمدينة لا يغيب عنها.

قد يتبادر إلى مخيلة القارئ الكريم شعور مضطرب، يضعه بين تساؤلات عابرة: هل يقرأ الدموع؟ أم الذكريات؟
  • أم المأساة التي يعيشها هو نفسه؟
تساؤلات تتكرر يوميًا دون إجابة مقنعة، وكأنها ذاتها المأساة الجاثمة على صدر المدينة منذ نحو ثلاثة عقود من الزمن.

نعم، إنها المأساة... فلا حصر لتشعباتها في كل مناحي الحياة. ويعجز القلم عن وصف المشاهد التي رأيتها في قلب العاصمة عدن في هذه الأيام ولياليها المظلمة، في عيون الأطفال، وأحاديثهم، وحركاتهم، وانفعالاتهم، وتساؤلاتهم.

نحن بحاجة إلى مدونات وسلسلة من الكتابات المتعمقة والتقارير الاستقصائية كي نستقصي ما خلفته هذه المعاناة المتراكمة والمتحولة من سيئ إلى أسوأ.

في قلبها النابض ووجهها المشرق في كل زمان، "مدينة عدن" أم المدائن، مدينة الحضارة والمدنية والثقافة والنور كما عرفناها نحن في طفولتنا وشبابنا، وكما عرفها العالم منذ مئات السنين.

منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، عندما كنا أطفالًا عرفنا هذه المدينة وحوافيها وشوارعها ومصادر النور والخدمات والمرافق الحيوية، من خلف جبل حقات وحتى بوابة العقبة في المعلا.

رسمت عدن في مخيلتنا أنها أجمل مدينة في العالم ، ولم نعرف انقطاعًا في الكهرباء أو حرمانًا من الخدمات. كنا نشاهد الأنوار تضيء أرجاءها لتنير الكون بمختلف الألوان.

لكن المؤسف والمحزن أن هذه المدينة تتعرض اليوم لمأساة لم تعرف مثلها في تاريخها العريق.

إنها عدن… المدينة التي عرفت النور منذ مئات السنين، مدينة كانت تعج بالحياة حتى في أكثر المراحل قسوة من تاريخها، لم تعرف الظلام يومًا.

وأثناء عهد الاستعمار البريطاني، كانت شوارعها مضاءة، وأصوات الأطفال تملأ الحوافي فرحًا وأملًا.

أما اليوم، فقد بات الظلام ضيفًا ثقيلًا على بيوتها، وأصوات المولدات صارت بديلًا عن ضوء الكهرباء.

أطفالها يمارسون اللعب في الظلام الدامس، وذكريات الضوء أصبحت جزءًا من الحكاية التي يرويها الكبار بحنينٍ موجع وحزين.
  • مشاهد مؤلمة وحنين إلى ذكريات الماضي
كانت الساعة السادسة مساء الأربعاء، 22 أكتوبر 2025م.

دخلت شارع الملكة أروى في اتجاه "حافة السبراتي" للقاء أحد الأصدقاء من أجل عمل خاص.

مضيت بحذر في ظلامٍ دامس، أخشى أن أقع في حفرة أو على أنقاض جدار على جنبات الحافة.

كانت أصوات الأطفال تتعالى من أرجاء المكان، يلعبون كرة القدم في العتمة، بلا إضاءة ولا ميدان ولا متنفس.


ثلاثة شوارع داخلية وحوافي صغيرة في بطن الجبل، مساكن متواضعة اتخذت من تجاويف الجبل مستقرا لها.

أما الحوافي القديمة ذات الطابع العمراني العريق، فآثارها تشهد على تاريخ المدينة منذ نشأتها.

ولا وجود اليوم في حوافيها لأي إضاءة سوى مصباحٍ صغير أمام محل قريب، وآخر داخل ورشة نجارة متواضعة لا يكفي حتى لإضاءة خطوات العامل.

ناديت على الأطفال: كانوا كُثُرًا، تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثالثة عشرة وتوقّفوا احترامًا لندائي.

جلست إلى جانبهم نتجاذب أطراف الحديث، وسألتهم: لماذا تلعبون في الظلام؟ ألا تخشون الإصابة أو الأذى؟

تسابقوا في الإجابة بصوت واحد: كيف نعمل يا عم؟ أين نذهب؟ لا يوجد مكان آخر!


لا توجد كهرباء ولا ميدان، ولا أحد يسمح لنا باللعب بعيدًا عن الحافة! حتى داخل المنازل أكثرها مظلم، لا يوجد معنا حتى سراج طاقة شمسية!، كانوا صادقين، مؤدبين، بريئين، والبسمة لا تفارق وجوههم.

قلت لهم: يا أبنائي، عندما كنت في عمركم، لم تنقطع الكهرباء عن شارع أروى أو هذه الحافة أبدًا. كنا نمشي من هنا إلى المعلا على ضوء الشارع.

تعالت أسئلتهم بحماس: هل كنت هنا؟ هل كانت الكهرباء لا تنقطع؟ هل كان عندكم ملاعب؟

أجبتهم بابتسامةٍ يغمرها الأسى: نعم، كنت هنا... كنا نشتري الفلافل من أمام السينما، ونمشي إلى العقبة على أنوارٍ تملأ الشوارع.
  • لعب ودموع في الحافة
سألتهم مجددًا: "وماذا تفعلون طوال الأيام القادمة إذا استمر الحال هكذا؟ فأجابوا: لا شيء... غير الصبر على هذا الحال حتى يفرجها الله!

قلت لهم: "لماذا لا يتعاون أهالي الحافة لتركيب مصابيح طاقة شمسية؟، فقال أحدهم بحزن:يا عم، ضباحى الناس فقراء، بالكاد يشترون سراجًا واحدًا لبيوتهم!.


طال الحديث، وسألتهم عن طفولتهم الصغيرة في مدينةٍ تتنفس الظلام.

وبينما كنت أستعيد معهم ذكريات الضوء وأيام النور، غلبتني الدموع.. دموع الحسرة على زمنٍ جميلٍ غاب.. وحياة اقتحمها أشباح الظلام على غفلة من المدينة!.

رآني الأطفال فقال أحدهم بخجل: يا عم إيش هذا؟! ليش تبكي؟ زعلان مننا؟.

فأجبته: لا يا أبنائي، إنما يؤلمني ما أنتم فيه... أن تُحرموا من أبسط الحقوق، الضوء واللعب والأمان وهي حقوق يعيشها أطفال العالم بيسر كل يوم.
  • أمنياتي تولد في الظلام
حاولت أن أُغيّر الأجواء، فقلت لهم مبتسمًا: هيا نلعب، نجرب الحارس حقكم!

فأشاروا إلى فتى نحيل مرحا يتحرك بين أقرانه بكل حيوية قائلين: "هذا حسن برهان، حارسنا الشجاع".

سددتُ كراتٍ خفيفة على مرماه في الظلام، فكان يقفز بخفةٍ يمسك الكرة ببراعة.

ضحكنا جميعًا، وكانت لحظاتٍ مضيئة وسط عتمةٍ خانقة.

أخبرني حسن أنه يحلم بأن يصبح لاعبًا في نادي التلال في المستقبل،

يا له من حلمٍ جميل في تفكير هؤلاء الفتيه يولد في الظلام!!
  • الأطفال وآمال مؤجلة
استمر الحديث حتى التاسعة مساءً، وكان عليّ أن أعود إلى لحج.

اعتذرت منهم، فودعوني بابتساماتٍ حارة وقلوبٍ مضيئة رغم العتمة.

كلهم طلاب مدارس، وفيهم من المتفوقين الأوائل، لكنهم يعيشون الحرمان ذاته الذي يعيشه أهل المدينة و المحافظة جميعًا.

قال لي أحدهم قبل أن أغادر: قيل لنا أنه كان في أسفل الحافة ميدان يلعب فيه الأطفال وايضا الشباب لكنهم أخذوه للبناء بعد الحرب وما عاد لنا مكان إلا هنا، ثم أضاف آخر: ما لنا إلا الصبر على الله... لعل الأوضاع تتحسن.
  • تصوير في الظلام يكشف واقع المأساة
التقطنا صورًا ومقاطع فيديو لتوثيق المشهد أطفال يلعبون في الظلام، ووجوههم تبتسم رغم كل الحرمان.


ورغم عتامة الصورة، إلا أنها كانت شاهدًا حيًّا على حجم المأساة التي تعيشها عدن، وعلى المعاناة التي سلبت الأطفال أبسط حقوقهم: الإضاءة والمتنفسات أمام منازلهم.
  • إشارة من عمق المعاناة إلى المحافظ والانتقالي
هناك تفاصيل في هذه الحارات قد لا تصل إلى مكاتبكم، لكنها تمسّ حياة الناس مباشرة.

أنتم مسؤولون عنها أمام الله والناس، وأبناء هذه المدينة ينتظرون منكم موقفًا إنسانيًا

لا نطلب معجزة، بل نرجو أن تبادروا بعمل متنفس متواضع يلعب فيه الأطفال وتوفير مصابيح طاقة شمسية على جنبات هذه الحوافي السبراتي والحوافي المجاورة لها خدمةً للناس، وحمايةً للأطفال، ودعمًا للأمن المجتمعي.

ولعل في هذه الإضاءة المتواضعة بصيص أملٍ يعيد إلى هذه الأحياء وجهها المشرق، وحقًّا من حقوق الطفولة المسلوبة.

(لا نطالبكم بتوفير التيار الكهربائي أو إنارة الأحياء بشكل دائما لأن هذا ربما لم يتحقق الآن وقد تكون معجزة فعلا يصعب تحقيقها حيث أصبح هذا حلم فقط وآمال مؤجله).

ودمتم ذخرًا للوطن والمواطن.