في خضم ما يعيشه مجتمعنا اليمني من انقسامات وتحديات فكرية، اجتماعية واقتصادية، تبرز الحاجة الملحة للعودة إلى اللبنة الأولى لكل بناء إنساني متماسك، أيّ إلى الأسرة. فبين جدران البيوت، يتشكل وعي الجيل القادم، وفيها تُزرع أول بذور التعايش أو تُقتلع من جذورها. في كل بيتٍ يمنيٍّ اليوم، تُكتب ملامح مستقبل الوطن، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي تُعلّم الطفل كيف يرى الآخر: خصمًا أم شريكًا، تهديدًا أم ثراءً.

الطفل اليمني يولد بقلبٍ نقيّ لا يعرف الكراهية، لكنه يلتقطها من الأحاديث العابرة، من النكات، من نبرة الغضب، من كلماتٍ تُقال دون انتباه. فحين نستهين بطريقة حديثنا عن "الآخر"، نكون في الواقع نرسم في ذهن الطفل حدودًا خفية بينه وبين أبناء وطنه. التربية على التعايش تبدأ من التفاصيل الصغيرة من طريقة حديثنا عن الجيران، من احترامنا لمن يختلف معنا، من لغة البيت و حكاياتنا حول مائدة العشاء قبل البدء بتغيير المناهج و عناوين الخطب.

اليمن اليوم بحاجة إلى أسرٍ تُعيد ترميم نسيجه الداخلي من الأساس. فالتعايش لا يُبنى بالشعارات، بل بتجارب يومية يتعلّم فيها الأبناء أن الاختلاف لا يفسد المحبة، وأن اليمن لا يقوم على لونٍ واحد ولا صوتٍ واحد، بل على تنوّعٍ يشبه فسيفساءً جميلة تكتمل بتماسك قطعها. عندما يرى الطفل أن والده يحترم من يخالفه، وأن والدته تدعو بالخير لجيرانها جميعًا، يتعلم دون أن يُقال له إن الوطن يتّسع للجميع.

لسنا بحاجة إلى خططٍ كبيرة لنعيد ترسيخ هذه القيم، بل إلى صدقٍ بسيط يبدأ من داخل البيوت. فلنعلّم أبناءنا أن اليمن ليس ملك حزبٍ ولا جماعةٍ ولا مذهب، بل بيتٌ واحد يسكنه الجميع. لنربّيهم على الحوار بدل الصراخ، على الرحمة بدل التفاخر، على احترام الإنسان قبل أي انتماء. بهذا الوعي تُبنى المواطنة، وبهذا السلوك تُستعاد الوحدة الحقيقية.

وحين يكبر الطفل على قيم التسامح، يصبح هو نفسه جسرًا بين المختلفين، وسفيرًا للسلام في مجتمعه الصغير. وحين تتكرر هذه التجارب في آلاف البيوت، سينهض الوطن من جديد، لأن اليمن الذي نحلم به لن يُبنى في المؤتمرات، بل في غرف المعيشة التي يُزرع فيها الحبّ والوعي والاحترام.

فلنبدأ من هنا، من بيوتنا. فكل أمٍّ تُربي طفلها على قبول الآخر تصنع وطنًا، وكل أبٍّ يغرس في أبنائه قيمة الاحترام يبني حجرًا في جدار السلام. إننا حين نحمي أطفالنا من الكراهية، نكون في الحقيقة نحمي اليمن كله من التمزق.

فالوطن الذي نحلم به، وطنٌ كبيرٌ لا يُبنى بالحجارة ، بل بالقلوب التي تؤمن أن السلام يبدأ من عتبة بيتٍ يتّسع للجميع.

ودمتم سالمين.