> «الأيام» الشرق الأوسط:

انتقد الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي «السعي وراء الأوهام»، مؤكدًا أن الشعارات الوطنية لا تبني الأوطان، وأن الهتاف بـ«يا إيران» الذي ارتفع عقب الحرب مع إسرائيل في يونيو ليس بديلًا عن الاهتمام العملي بقضايا البلاد.

ونقل موقع خاتمي قوله لمجموعة من أنصاره السبت: «لقد ذهبنا وراء أوهام أخرى لم نصل إليها ولم نحقق من خلالها أي تنمية».

وقال خاتمي: «في الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا، رأيتم كيف تلاشت جميع الخلافات، وحتى الذين كانوا منتقدين للحكومة وقفوا صفاً واحداً في مواجهة العدوان، وأصبح الجميع يتحدث عن إيران. كما أن نظام الجمهورية الإسلامية شجع الجميع على ترديد (يا إيران)». لكنه أضاف: «من المؤكد أن قول (يا إيران) لا يكفي، بل ينبغي أن يرافقه اهتمام عملي وحقيقي بإيران»، وأضاف: «إنني أتحدث عن إسلام يحترم إيران وقد كشف عن قدرات كبيرة فيها، وأتحدث أيضًا عن إيران استفادت من الانفتاح الذي جاء به الإسلام».

وتصدرت صورة خاتمي الصفحات الأولى لأغلب الصحف الإصلاحية الصادرة الأحد، في تطور لافت بعد سنوات من فرض الحظر على صورة الرئيس الإصلاحي الأسبق، في أعقاب احتجاجات «الحركة الخضراء»، التي هزت البلاد، بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2009.

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي، في أول ظهور له بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا، قد طلب من المنشد الديني الخاص بمكتبه، أن يردد أنشودة «يا إيران» خلال مراسم عاشوراء، وأطلق بذلك حملة تتمحور حول الرموز الفارسية القديمة، في محاولة لإثارة المشاعر القومية.

وتحولت عبارة «يا إيران» إلى محور الحملات الإعلامية والدعائية للمؤسسات ووسائل الإعلام الإيرانية في سياق «الحرب النفسية» المتبادلة بين طهران وتل أبيب.

وقارن خاتمي بين مسار التنمية في إيران ودول الجوار، وقال: «طالما طُرح سؤال مفاده: هل النفط نعمة أو نقمة؟»، موضحاً أنه «لا تعد تركيا نموذجاً يحتذى به بالضرورة، غير أنها لا تملك قطرة نفط واحدة، ومع ذلك نجحت عبر السياحة والصناعة في التقدم علينا بمسافات واسعة».

وأوضح خاتمي: «نحن نملك النفط، وهم لا يملكونه، لكن إيراداتهم السياحية تفوق إجمالي عائداتنا من النفط، علماً بأن لدينا تاريخاً أعرق وإمكانات أفضل لتطوير السياحة»، وقال: «ما نملكه من إرث ثقافي وحضاري يمكن أن يجعلنا في غنى عن الاعتماد على النفط، وأن يحول النفط ذاته إلى قيمة مضافة نحافظ عليها للأجيال المقبلة».

كما أشار إلى نمو السياحة في دول الخليج، وقال: «إذا وضعنا جانبًا استثمارات دول الخليج في مجالات العلوم والتكنولوجيا، يكفي أن نقارن عائداتنا السياحية بعائداتهم لنعرف حجم الفجوة».

وأضاف خاتمي: «إيران انشغلت بأوهام لم تصل إليها، ولم تحقق معها أي تقدم ملموس، فتأخرت عن تنفيذ كل أهداف وثيقة الرؤية التنموية، وتراجعت خلف دول الجوار».

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن «التقدّم الوحيد الذي أحرزته البلاد كان في المجال العسكري بفضل القدرات الصاروخية؛ ما جعلها تحتل المرتبة الثالثة إقليميًّا في هذا الجانب، في حين بقيت متدنية في سائر المؤشرات».

وتطرق خاتمي إلى تدهور الوضع الاقتصادي بعد 20 عامًا على انتهاء ولايته الثانية التي انتهت مطلع أغسطس 2005. وقال: «إيران كانت آنذاك، وفقًا لكل المؤشرات الاقتصادية، في مرحلة (الإقلاع) نحو تحقيق أهداف الرؤية العشرينية للتنمية»، مضيفاً أن «جميع الأرقام متوافرة وتشهد على ذلك»، وأن حكومته سلمت البلاد بنمو اقتصادي بلغ 12 في المائة، وبسعر صرف موحد. وتساءل: «مع وجود تلك الأرضية المتينة، لماذا لم نصل إلى أهدافنا وتراجعنا إلى الخلف؟».

وتشهد إيران منذ أسابيع توتراً سياسياً متصاعداً بين مراكز القوى داخل النظام، لا سيما بين الأصوليين المسيطرين على مجلس الشورى من جهة، والرئيس المعتدل السابق حسن روحاني ووزير خارجيته الأسبق محمد جواد ظريف من جهة أخرى، الذي اضطر قبل أشهر إلى الاستقالة من منصب نائب الرئيس الحالي مسعود بزشكيان للشؤون الخارجية.

واتخذت هذه المواجهة عناوين عدة، بينها الملف النووي والتفاوض المباشر مع واشنطن وأداء حكومة روحاني في المفاوضات النووية، وملف اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وصولاً إلى العلاقات مع روسيا والصين، فضلاً عن قانون الحجاب الإلزامي.

بدأ السجال بعد إطلاق الأوروبيين آلية الزناد المنصوص عليها في الاتفاق النووي، عندما انتقد الأصوليون موافقة ظريف وروحاني على هذه الآلية عند التوصل إلى الاتفاق في 2015، واتهموهما بخداع المرشد علي خامنئي للموافقة على الاتفاق.

ورد ظريف باتهام روسيا بتخريب علاقات طهران الدولية، وقال إن الروس كانوا منذ البداية معارضين للاتفاق النووي، لأن «الخط الأحمر لديهم هو العلاقات الطبيعية بين إيران والعالم».

بدوره، كشف روحاني أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ نظيره الأميركي دونالد ترامب بعد خروج الأخير من الاتفاق النووي في 2018 أن «إيران ستنسحب بدورها من الاتفاق، وبذلك تعود القرارات والعقوبات الأممية إلى السريان، غير أن طهران تصرفت بحكمة ولم تقدم على ذلك»، داعيًا «أولئك (المتشددين الأصوليين) الذين أحرقوا وثيقة الاتفاق النووي في البرلمان الإيراني آنذاك إلى أن يلتزموا الصمت تمامًا الآن».

وتفاعلت الأزمة مع دخول مستشار المرشد علي شمخاني على الخط ضد روحاني وظريف، نافياً روايتهما بشأن عدم إبلاغهما بمسؤولية الحرس الثوري عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بعد اغتيال قاسم سليماني في 2020 إلا بعد أيام. ووجّه الأصوليون اتهامات لروحاني وظريف بالرد على تكذيب شمخاني لهما بتسريب فيديو مثير للجدل لزفاف ابنته.

كما اتهم القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، روحاني بـ «التشجيع على تطوير صناعة الصواريخ والاهتمام بميزانية الدفاع»، ما استدعى تحذيراً من حسام الدين آشنا، مستشار روحاني، بعد «فتح صندوق باندورا»، ملوِّحاً بنشر وثائق عن «المكاسب المالية لقادة الحرس». وخلال جلسة لمجلس النواب، هاجم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ظريف وروحاني متهماً إياهما بالإضرار بعلاقات إيران مع روسيا بهدف إيصال البلاد إلى حافة الانهيار.

وأظهر شريط مصور نوابًا خلال الجلسة نفسها وهم يهتفون «الموت لفريدون» في إشارة إلى اسم عائلة روحاني قبل الثورة. وكان بزشكيان نفسه تبادل اتهامات مع الأصوليين بالمسؤولية عن الوضع الاقتصادي المزري، مشيرًا إلى أن إيران تعوم على بحيرة من النفط والغاز «لكننا جياع».

وأثار تسامح حكومة بزشكيان مع عدم التزام عدد كبير من الإيرانيات بالحجاب، وانتشار تسجيلات لحفلات موسيقية مختلطة في شوارع طهران، حفيظة الأصوليين، الذين يتهمون الرئيس الإيراني المحسوب على الوسطيين بعرقلة قانون الحجاب والعفة الذي أقره المجلس. وشارك الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي في السجال، وقال، في تصريح أمس، إن «الإيرانيين اتحدوا خلال حرب ال 12 يومًا، وإن النظام قال للناس اهتفوا من أجل إيران»، مضيفًا: «لكن مجرد الهتاف لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك اهتمام عملي بإيران. ويجب تبني الإسلام الوسطي». ومقارنًا بين وضع تركيا وإيران، أضاف خاتمي: «لا أريد أن أقول إن تركيا نموذج لنا، لكن تركيا لا تملك قطرة نفط واحدة، ومع ذلك استطاعت اليوم عبر السياحة والصناعة أن تتقدم علينا كثيرًا. نحن كنا نملك النفط وهي لم تملكه، لكن دخلها من السياحة أكبر من إجمالي دخلنا النفطي».

ويرى مراقبون إيرانيون أن السبب الحقيقي لهذه الأجواء المتوترة هو حرب بالوكالة على خلافة المرشد الحالي علي خامنئي، بعد أن فشل مجلس خبراء القيادة عدة مرات في الاتفاق على تعيين خليفة له، وافتقاد الأصوليين لمرشح قوي بعد أن أصرّ خامنئي على استبعاد نجله مجتبى من قائمة المرشحين لخلافته.

ويلفت هؤلاء إلى أن قضية إقفال مصرف آينده (المستقبل) المملوك لعلي أنصاري اليد اليمنى لمجتبى خامنئي في الأمور التجارية، وكشف انتهاكاته المالية الواسعة، كان ضربة مالية من الإصلاحيين لمجتبى الذي لا يزال بعض الأصوليين يرون فيه مرشحًا محتملًا لخلافة ولاده، وذلك ردًّا على محاولات الطعن بروحاني الذي يراه الكثير من الإصلاحيين الأكثر قدرة وتجربة لإدارة البلاد في المرحلة المقبلة.