> عدن «الأيام» خاص:

  • محميات عدن الرطبة.. صرخة إنقاذ في مواجهة تلوث بيئي ينذر بـ "الزوال الكامل"
  • محميات عدن تواجه خطر الاندثار والتحول من دروع طبيعية إلى "بؤر تدهور بيئي"
> كشفت ورقة سياسات بعنوان "إنقاذ محميات عدن الرطبة.. سياسات مقترحة لمستقبل مستدام"، أعدها الصحفي العلمي المتخصص في تغطية قضايا المناخ والبيئة بسام القاضي وأشرف عليها نشوان العثماني وصدرت عن مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf) في أواخر أكتوبر 2025، عن "تهديدات وجودية متفاقمة" تواجه محميات الأراضي الرطبة الخمس في مدينة عدن. وتُعد هذه المحميات، التي تشمل الحسوة، بحيرات عدن، المملاح، خور بئر أحمد، ومصب الوادي الكبير، رئة حيوية ودرعًا طبيعيًا للمدينة في مواجهة آثار التغير المناخي.


وتواجه محميات عدن اليوم خطر الاندثار، متحوّلة من دروع طبيعية إلى "بؤر تدهور بيئي". هذه المحميات، التي تم إعلانها كمحميات طبيعية بقرار حكومي عام 2008، تمثل نظمًا بيئية متكاملة تقع على مساحة إجمالية تقدر بـ 2500 هكتار وتُصنّف كواحدة من أهم 16 أرضًا رطبة في اليمن والإقليم.

صحيفة "الأيام" تنفرد بنشر النص الكامل لورقة السياسات أدناه

>تواجه محميات الأراضي الرطبة الخمس في مدينة عدن – الحسوة، بحيرات عدن، المملاح، خور بئر أحمد، ومصب الوادي الكبير – تهديدات وجودية متفاقمة تهدد باندثارها وتحويلها من دروع طبيعية إلى بؤر تدهور بيئي. هذه المحميات تمثل رئة حيوية للمدينة ودرعًا رئيسيًا في مواجهة آثار التغير المناخي، كما تشكل موائل طبيعية فريدة لمئات الأنواع من الكائنات الحية، بينها طيور الفلامنجو المهددة بالانقراض، وتوفر في الوقت ذاته مصدرًا أساسيًا للرزق لآلاف السكان المحليين.

غير أن سنوات الحرب الطويلة أفرزت سلسلة من العوامل المدمرة - من الإهمال الإداري والفساد المالي، إلى الزحف العمراني العشوائي والتلوث البيئي - ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في حالة هذه المحميات، حتى تحولت إلى "جثة هامدة" و"جرح نازف". ومع تسجيل عدن ضمن أكثر عشر مدن مهددة عالميًا بارتفاع منسوب سطح البحر، تتخذ الأزمة بعدًا وجوديًا يتجاوز البعد البيئي إلى تهديد مباشر لبقاء المدينة ومستقبلها.


تعرض هذه الورقة تحليلًا شاملًا للمخاطر التي تواجه محميات عدن، مستندة إلى تحقيقات صحفية معمقة وآراء خبراء في البيئة والمناخ والقانون. وتطرح ثلاثة بدائل سياساتية محتملة لمواجهتها، مرجحة الخيار الثالث القائم على تبني سياسة شاملة ومتكاملة بوصفه الطريق الأمثل.

كما تقدم الورقة توصيات مفصلة وعاجلة على أربعة مستويات مترابطة: القانوني والإداري، التخطيط والحلول البيئية، التوعية والمشاركة المجتمعية، والتعاون الدولي والبحث العلمي.

تهدف هذه السياسات المقترحة إلى حماية هذه الثروة الطبيعية وتأمين مستقبل مستدام لمدينة عدن من خلال تفعيل القوانين وإزالة التعديات وزراعة أشجار المانجروف وإشراك المجتمع المحلي والانضمام الكامل إلى اتفاقية رامسار الدولية لحماية الأراضي الرطبة.
  • مدينة عدن وأهمية محمياتها الرطبة
تقع مدينة عدن على ساحل خليج عدن، جنوبي اليمن، وتعد من أقدم وأهم المدن في المنطقة، وقد جعل منها موقعها الجغرافي الاستراتيجي مركزًا تجاريًا وميناءً حيويًا عبر العصور. وتشكل البيئة الطبيعية أحد أهم مكونات هوية المدينة، إذ تضم خمس محميات للأراضي الرطبة: الحسوة، بحيرات عدن، المملاح، خور بئر أحمد، ومصب الوادي الكبير.


وتُعد هذه المحميات بمثابة "درع طبيعي" يحمي المدينة من آثار التغيرات المناخية المتسارعة، فضلًا عن كونها موائل حيوية لمئات الأنواع من الكائنات الحية، بينها طيور الفلامنجو المهددة بالانقراض.

وإلى جانب أهميتها البيئية، تمثل هذه المحميات مصدر رزق لآلاف السكان المحليين الذين يعتمدون عليها في معيشتهم. غير أن هذه الأهمية الكبيرة لم تمنعها من مواجهة تهديدات متصاعدة نتيجة سنوات من الإهمال وتداعيات الحرب التي عصفت بالبلاد.

1 . توصيف المشكلة

تُعد الأراضي الرطبة في عدن - التي أعلنت كمحميات طبيعية بقرار حكومي عام 2008 - جزءًا لا يتجزأ من التراث الطبيعي لليمن. فهي ليست مجرد مسطحات مائية، لكنها نظم بيئية متكاملة تقدم خدمات بيئية واقتصادية لا تقدر بثمن.

تمتد هذه المحميات على مساحة إجمالية تقدر بـ 2500 هكتار، وتُصنف كواحدة من أهم 16 أرضًا رطبة في اليمن والإقليم، ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة وطنية وعالمية.

1 - السياق العام والأهمية البيئية والاقتصادية

مكافحة التغيرات المناخية:
تُوصف الأراضي الرطبة بأنها "درع عدن" في مواجهة تغير المناخ، و"بطل مجهول" في التصدي لأزماته. فهي تخزن كميات من الكربون تفوق ما يخزنه أي نظام بيئي آخر، وتعمل كأحواض طبيعية لامتصاص الكربون، كما تساهم في حماية السواحل من التآكل والفيضانات.


التنوع البيولوجي:
تمثل هذه المحميات موطنًا لأكثر من 140 نوعًا من الطيور المائية والمستوطنة، منها أنواع نادرة ومهددة بالانقراض مثل الفلامنجو والنورس أبيض العين، كما تؤوي عديد الأسماك والقشريات والنباتات البحرية، وتوفر ملاذًا للحيوانات البرية مثل الثعالب والأرانب.


القيمة الاقتصادية والاجتماعية:
توفر هذه المحميات فرصًا مهمة للسياحة البيئية المستدامة، وتشكل مصدر دخل للمجتمعات المحلية، كما في محمية الحسوة والمملاح اللتين كانتا مركزين لصناعة الملح التقليدية.


- التهديدات الوجودية التي تواجه المحميات
على الرغم من كل ما تمثله من قيمة بيئية واقتصادية واجتماعية، تواجه محميات عدن اليوم خطر الزوال. وتشير التحقيقات الصحفية إلى أن هذه المحميات تحولت إلى "جرح نازف" بفعل الإهمال المزمن.


فمحمية الحسوة – التي كانت في الماضي "جنة بيئية" وحازت عام 2014 جائزة خط الاستواء العالمية من الأمم المتحدة – تحولت إلى "مكب للنفايات" ومصدر للأوبئة، بعدما كانت وجهة سياحية وملاذًا طبيعيًا للعديد من الأحياء البرية ومنها الطيور. وقد شهدت عام 2009 أول رصد لتعشيش طيور الفلامنجو الصغير فيها، في مؤشر مهم على نجاح جهود الحماية آنذاك.

اليوم، تهدد هذه المحميات عوامل متعددة أبرزها الزحف العمراني، والتلوث، والصيد الجائر، وغياب القوانين الرادعة والصارمة، ما يجعل مستقبلها على المحك ويضع المدينة برمتها أمام تحديات وجودية.

2 - توصيف المشكلة: تحليل للمخاطر والعوامل المساهمة

تتفاقم أزمة محميات عدن الرطبة بفعل تداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية معقدة، تُسهم مجتمعة في تدهور هذه الثروة الطبيعية وتحويلها من مصدر للحياة إلى بؤر مهددة بالاندثار.

فيما يلي أبرز هذه العوامل كما تكشفها التحقيقات الصحفية وآراء الخبراء والمختصين:

- الزحف العمراني العشوائي والردم
أحد أخطر التحديات التي تواجه محميات عدن يتمثل في التوسع العمراني غير المنضبط الذي "يلتهم مساحات واسعة" من أراضيها الحيوية.

تشير التحقيقات إلى أن محمية خور بئر أحمد تحولت إلى موطن لمساكن نازحين بُنيت مؤقتًا ثم تحولت لاحقًا إلى منازل دائمة. أما محمية المملاح فقد فقدت نحو 20 % من مساحتها الإجمالية – ما يعادل 188 هكتارًا – وتحولت أطرافها إلى مكبات للنفايات ومخلفات البناء.


هذا الزحف العمراني تفاقم نتيجة "حمى الاستيلاء على الأراضي" التي شهدتها عدن عقب الحروب، لا سيما بعد حرب 2015، حيث تم الاستيلاء على ثلثي مساحة محمية مصب الوادي الكبير الأصلية وتحويلها إلى مدن سكنية في مخالفة صريحة للقانون.

- سياسات بيع الأراضي ودور الجهات الحكومية
تُعد سياسات بيع وتمليك الأراضي داخل محميات عدن الرطبة من قبل جهات غير مختصة أحد أبرز التهديدات التي تقوض حماية هذه الأنظمة البيئية الحساسة.

فبعد حرب 2015، شهدت المدينة موجة غير مسبوقة من الاستيلاء على الأراضي، تم خلالها تحويل أجزاء واسعة من المحميات – مثل خور بئر أحمد – إلى مناطق سكنية غير قانونية. وقد ساهم غياب التنسيق بين الجهات الحكومية في تفاقم المشكلة.

فعلى سبيل المثال، تقوم "هيئة الأراضي والمساحة والتخطيط العمراني" أحيانًا بتسجيل وثائق ملكية لأراضٍ تقع داخل المحميات، بينما توافق "هيئة الاستثمار" على مشاريع فوقها، في تعارض واضح مع قرارات حكومية سابقة أعلنت هذه المناطق كمحميات طبيعية.


ويضاف إلى ذلك ضعف الجهاز القضائي الذي يُفترض أن يحمي هذه الأراضي، إذ يعاني من بطء الإجراءات وانتشار الفساد، ما يجعل عملية استعادة الأراضي المعتدى عليها شديدة الصعوبة والتعقيد.

- التلوث البيئي: النفايات ومياه الصرف الصحي
التلوث يمثل خطرًا داهمًا يهدد بقاء هذه المحميات. وقد تحولت العديد منها إلى مكبات عشوائية للنفايات، ما أدى إلى تدهور بيئي خطير.

فمحمية الحسوة – التي كانت ملاذًا طبيعيًا لطيور الفلامنجو – أصبحت اليوم مكبًا للنفايات ومصدرًا للأوبئة، فضلًا عن تعرضها للتجريف والحرق والتعديات العمرانية التي تهددها بالزوال الكامل.


وفي محمية بئر أحمد، يفاقم السكان المشكلة بتصريف مياه الصرف الصحي بشكل مباشر إلى المحمية، ما يشكل "تهديدًا وجوديًا" للكائنات البحرية التي تعيش فيها. أما محميتا بحيرات عدن والمملاح فتعانيان من مستويات خطيرة من التلوث، تهدد بتدمير النظم البيئية الحساسة التي تحتضنانها.

- الفشل الإداري والفساد المالي
رغم وجود "إطار قانوني وطني ودولي قوي" لحماية المحميات الطبيعية في اليمن، فإن "تطبيق هذا الإطار على أرض الواقع" يظل تحديًا بالغ الصعوبة.

تشير التقارير إلى "فشل إداري شامل" في إدارة هذه الثروة الطبيعية، يتجلى في ضعف الكفاءة المؤسسية، واقتصار جهود الحماية على محمية واحدة دون غيرها، وإهمال بقية المحميات، إضافة إلى غياب التخطيط المستدام، وانعدام الخطط طويلة الأمد، وارتفاع مستويات الفساد الإداري والمالي.


كما أن تعدد الجهات المسؤولة عن إدارة بعض المحميات – مثل المملاح – ساهم بشكل مباشر في إضعاف حمايتها وإدارة مواردها بشكل فعال.

- التغيرات المناخية وغياب الدراسات العلمية
تؤكد أستاذة علوم الحياة والبيئة في جامعة عدن، ندى السيد، أن التغيرات المناخية المتسارعة – مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حدة العواصف – تمثل "تهديدًا وجوديًا" حقيقيًا للمحميات.

وتحذر من أن إزالة الغطاء النباتي في محمية الحسوة أدى إلى تفاقم الفيضانات وزيادة حدتها، مما يعرض المدينة ومحيطها لمخاطر بيئية متزايدة.


ويزيد من تفاقم الأزمة "غياب الدراسات العلمية المتعمقة" و"النقص الحاد في البيانات الشاملة" التي يمكن أن تسهم في بناء سيناريوهات مستقبلية دقيقة وتساعد صانعي القرار على التخطيط السليم لصون هذه المحميات والاستفادة من وظيفتها في الحماية الطبيعية لتأثيرات تغير المناخ.

- السياق السياسي والاقتصادي والقانوني والمخالفات
يشير المستشار القانوني للهيئة العامة لحماية البيئة، فهد محمد سعيد، إلى وجود إطار قانوني وطني ودولي متين لحماية المحميات الطبيعية، يستند إلى قانون حماية البيئة رقم 26 لسنة 1995، وقانون المياه رقم 33 لسنة 2000، فضلًا عن القوانين المتعلقة بالزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى اتفاقيات دولية مثل اتفاقية رامسار واتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية الأنواع المهاجرة.

لكن تطبيق هذا الإطار القانوني يواجه عقبات كبيرة تعود إلى ضعف التمويل ونقص الكوادر الفنية وآثار الحروب والصراعات، بالإضافة إلى الفساد الإداري والمالي المستشري. هذه العوامل مجتمعة تعيق تنفيذ القوانين بصرامة، وتفتح الباب واسعًا أمام ارتكاب المخالفات دون مساءلة حقيقية.

3 - البدائل السياسية المتاحة
أمام هذه الأزمة المعقدة والمتعددة الأبعاد التي تواجه محميات عدن الرطبة، تقف الحكومة والجهات المعنية أمام ثلاثة مسارات سياساتية رئيسية يمكن اتخاذها، لكل منها مزايا وعيوب يجب دراستها بعناية قبل اختيار الطريق الأمثل. هذه البدائل تعكس مستويات مختلفة من الإرادة السياسية والالتزام المؤسسي والموارد، كما تحدد طبيعة النتائج المتوقعة على المدى القصير والبعيد.

- البديل الأول: البقاء على الوضع الراهن
المزايا: يبدو هذا الخيار للوهلة الأولى الأقل كلفة والأبسط تنفيذًا، إذ لا يتطلب تخصيص موارد مالية أو إدارية إضافية في المدى القصير، كما يجنب الجهات الحكومية المعنية الدخول في مواجهة مباشرة مع الأطراف المستفيدة من التعديات أو المستفيدة من استمرار الفساد القائم. ويُعد خيارًا "آمنًا" سياسيًا على المدى اللحظي، لأنه لا يخلق صدامًا مع القوى النافذة التي ساهمت في الوضع الحالي.

العيوب:
غير أن كلفة هذا البديل على المدى الطويل ستكون كارثية. فالإبقاء على الوضع الراهن يعني "استمرار التدهور وربما الزوال الكامل للمحميات"، مع ما يحمله ذلك من خسائر بيئية واقتصادية واجتماعية جسيمة. كما أن هذا الخيار يمثل في جوهره تخليًا عن مسؤولية الدولة في حماية إرثها الطبيعي، ويهدد بخسارة التنوع البيولوجي الفريد الذي تحتضنه هذه المحميات، كما يتعارض مع الالتزامات الدولية تجاه الاتفاقيات الدولية الموقع عليها، ويقوض فرص التنمية المستدامة في المستقبل.

واختيار هذا البديل لا يعدو كونه تأجيلًا للأزمة لا حلًا لها، ويزيد من صعوبة أي جهود مستقبلية لاستعادة المحميات بعد أن تكون قد تجاوزت نقطة اللا عودة.

- البديل الثاني: اتخاذ إجراءات إدارية وقانونية محدودة
المزايا: يُعد هذا الخيار خطوة وسطى أكثر طموحًا من البديل الأول وأقل كلفة وتعقيدًا من البديل الثالث. يمكن من خلاله تفعيل بعض القوانين البيئية القائمة وزيادة مستوى الرقابة بشكل جزئي، ما قد يسهم في إبطاء وتيرة التدهور الحالي.

قد يشمل هذا البديل تشكيل لجان مشتركة للتحقيق في حالات الاستيلاء على الأراضي داخل المحميات، أو إطلاق حملات توعية محدودة لرفع الوعي البيئي لدى السكان والمجتمع المحلي. وهذه الخطوات، وإن كانت جزئية، يمكن أن تعطي إشارة إلى وجود نية رسمية للتحرك وتحد من بعض التجاوزات الفادحة.

العيوب:
رغم إيجابياته، إلا أن هذا البديل يظل غير كافٍ للتعامل مع التحديات المعقدة التي تواجه المحميات، مثل الفساد المتجذر أو الزحف العمراني الواسع النطاق، خصوصًا في ظل ضعف التمويل وغياب التنسيق الفعال بين الجهات الحكومية المختلفة.

كما أن الإجراءات الجزئية لن تعالج جذور المشكلة ولن توفر حلولًا مستدامة، بل قد تؤدي إلى تأجيل الانهيار لا منعه، ما يجعلها حلولًا مؤقتة لا تضمن مستقبلًا آمنًا للمحميات.

- البديل الثالث: تبني سياسة شاملة ومتكاملة لحماية المحميات (البديل الموصى به)
المزايا: يُعد هذا البديل الأكثر فعالية وطموحًا واستدامة، إذ يضمن معالجة الأزمة من جذورها عبر تبني نهج متكامل يجمع بين الأبعاد القانونية والإدارية والبيئية والمجتمعية والدولية.

يقوم هذا الخيار على وضع إطار قانوني وإداري فعال، وتخصيص ميزانيات كافية، وإشراك المجتمع المحلي بشكل فعلي في جهود الحماية، وتعزيز التعاون الدولي للحصول على الدعم الفني والمالي. هذا النهج الشامل من شأنه أن يضمن استدامة الجهود ويحدث تحولًا حقيقيًا في مسار إدارة المحميات.

كما أن تبني سياسة متكاملة يفتح الباب أمام فرص واسعة للشراكة مع المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة في حماية الأراضي الرطبة والتنوع البيولوجي، وهو ما يعزز القدرات المحلية ويمكّن من الوصول إلى حلول علمية قائمة على الأدلة والبيانات.

العيوب:
يحتاج هذا البديل إلى موارد مالية وبشرية كبيرة وجهود تنسيق مكثفة بين مختلف الجهات الحكومية وغير الحكومية. وقد يواجه مقاومة شديدة من الأطراف المستفيدة من استمرار التعديات أو الفساد. كما أن تنفيذه يتطلب إرادة سياسية قوية وتوافقًا مؤسسيًا طويل الأمد.

لكن هذه العيوب، رغم الكلفة، لا تقارن بالفوائد الاستراتيجية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية التي سيحققها هذا الخيار على المدى الطويل. فهو لا ينقذ المحميات فحسب، لكنه يحمي المدينة من أخطار التغير المناخي، ويعيد للمجتمع المحلي دوره كشريك في حماية موارده الطبيعية، ويحول المحميات إلى رافعة للتنمية المستدامة بدلًا من كونها عبئًا بيئيًا.

4 - التوصيات: سياسات مقترحة لمستقبل مستدام
توصي هذه الورقة باعتماد البديل الثالث القائم على تبني سياسة شاملة ومتكاملة لحماية محميات عدن الرطبة، وذلك من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات العملية والسياسات التفصيلية التي تعالج جذور الأزمة وتضع أساسًا متينًا لاستدامة هذه الثروة الطبيعية.

تنقسم هذه التوصيات إلى أربعة مستويات رئيسية:

- على المستوى القانوني والإداري

تفعيل القوانين واللوائح:
يتعين تشديد تطبيق القوانين البيئية وتفعيلها بصرامة، وتجريم مرتكبي التعديات على أراضي المحميات ومحاسبتهم. ويؤكد المستشار القانوني فهد محمد سعيد على أهمية تشكيل لجان مشتركة للتحقيق في حالات التعدي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستعادة الأراضي المنهوبة.

تحديد وترسيم الحدود:
يتوجب على هذه اللجان أن تبدأ فورًا بمهمة حاسمة تتمثل في إعادة تحديد وترسيم الحدود المتبقية للمحميات بدقة علمية وقانونية. ويجب تثبيت هذه الحدود بعلامات واضحة ودائمة على الأرض، لمنع أي توسع مستقبلي وضمان احترام الحماية القانونية للمناطق المحمية.

الإصلاحات التشريعية المحلية:
على الجهات المعنية أن تعمل على إدخال إصلاحات تشريعية تهدف إلى:

• تفعيل القوانين البيئية وتطبيقها بصرامة وتجريم التعديات.

• إزالة أي حوافز حكومية قد تشجع بشكل غير مباشر على التعديات، مثل الدعم المقدم للأنشطة التي تسهم في تدهور الأراضي.

• إنشاء هيئة إشرافية وطنية موحدة ومفوضة بسلطات واسعة لإدارة وحماية المحميات.

تحقيق التنسيق وتوفير التمويل:
يجب إنشاء هيئة إشرافية وطنية تتمتع بصلاحيات رقابية وإدارية واسعة، وتُخصص لها ميزانيات كافية لإدارة المحميات وتأهيل الكوادر العلمية والفنية اللازمة، على أن تتواصل هذه الهيئة بشكل رسمي وفوري مع الجهات الحكومية المختصة – مثل هيئة الأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، وهيئة الأشغال العامة، وهيئة المنطقة الحرة – لإبلاغها بالحدود الجديدة المعترف بها رسميًا، وضمان عدم إصدار أي تصاريح أو وثائق ملكية داخل المناطق المحمية وحمايتها من أي تعديات.

ويُعد تعزيز الشفافية والمساءلة مبدأً أساسيًا لنجاح هذا المسار.

إنهاء التدهور وحماية ما تبقى:
رغم أهمية الحلول طويلة الأمد، يجب أن تكون الأولوية القصوى هي وقف التدهور المستمر وحماية ما تبقى من مساحات المحميات. وينبغي تركيز الجهود العاجلة على حماية الأراضي المتبقية، إذ لا يمكن تحقيق أي نتائج إيجابية مستدامة ما لم يتم وقف التعديات الجارية بشكل نهائي.

على مستوى التخطيط والحلول البيئية
إزالة التعديات وإعادة التأهيل:

ينبغي إطلاق حملة فورية لإزالة جميع التعديات والمنشآت غير القانونية داخل المحميات. ويجب وضع خطة شاملة لتنظيف هذه المناطق من النفايات ومياه الصرف الصحي وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة بما يعيد لها وظائفها البيئية الحيوية.

زراعة النباتات الساحلية:
تنفيذ برامج منظمة لزراعة أشجار المانجروف والنباتات المحلية المقاومة للتغيرات المناخية، بهدف تثبيت التربة، وحماية الشواطئ من التآكل، واستعادة التوازن البيئي الطبيعي للمحميات.

تطوير البنية التحتية:
يتطلب الأمر بناء شبكات صرف صحي حديثة لمنع تصريف المياه الملوثة في المحميات، وإنشاء حواجز طبيعية وصناعية للحد من التلوث. كما يجب الاستثمار في التقنيات الحديثة، مثل أنظمة الاستشعار عن بُعد وأنظمة الإنذار المبكر، لمراقبة حالة المحميات والتدخل السريع عند الضرورة.

على مستوى التوعية والمشاركة المجتمعية

برامج التوعية:
إطلاق حملات توعية بيئية مكثفة تستهدف مختلف شرائح المجتمع للتعريف بأهمية المحميات ودورها الحيوي في الأمن البيئي والاقتصادي. يمكن الاستعانة بوسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنظمات المجتمع المدني في نشر هذه الرسائل.

مشاركة المجتمع المحلي:
من الضروري إشراك السكان المحليين في جهود حماية المحميات، ليس فقط كمستفيدين، بل كشركاء فاعلين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

• توفير فرص عمل مرتبطة بحماية المحميات مثل الحراسة أو السياحة البيئية.

• تدريب السكان المحليين على أساليب الحماية البيئية والاستدامة.

• تمكينهم من المشاركة في اتخاذ القرارات المحلية المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية.

على مستوى التعاون الدولي والبحث العلمي

الالتزام بالتشريعات الدولية:
كون اليمن طرفًا في اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة، فإن عليها تفعيل التزاماتها الدولية بشكل كامل. الانخراط النشط في هذه الاتفاقية يوفر فرصة للحصول على دعم فني ومالي مهم لحماية المحميات، كما يمنحها اعترافًا دوليًا يعزز مكانتها البيئية.

تعزيز البحث العلمي:
يجب دعم وتشجيع الأبحاث والدراسات العلمية حول التنوع البيولوجي وتأثيرات التغير المناخي على المحميات. كما ينبغي تعزيز التعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية الوطنية والدولية لتبادل الخبرات والمعرفة وتطوير استراتيجيات مبنية على الأدلة العلمية.

الخاتمة:
محميات عدن الرطبة تتجاوز أن تكون مساحات طبيعية فحسب، فهي كنوز بيئية وإرث وطني ثمين لا يمكن التفريط به. وقد كشفت التحقيقات الصحفية والمصادر العلمية أن هذه المحميات تواجه اليوم تهديدات جسيمة ناجمة عن الفشل الإداري والفساد، والزحف العمراني، والتلوث، وغياب الوعي البيئي، ما يجعل إنقاذها ضرورة ملحة تتجاوز البعد البيئي إلى كونه رهانًا على مستقبل المدينة ذاته.

إن حماية هذه المحميات ليست خيارًا ترفيهيًا أو بيئيًا محدودًا، إذ هي شرط أساسي لضمان التنمية المستدامة، وصون مدينة عدن من الآثار المدمرة للتغير المناخي، وتوفير مستقبل آمن للأجيال القادمة.

ومن ثَم، فإن تبني السياسات المقترحة في هذه الورقة يتجاوز الاقتراح ليُعد واجبًا جماعيًا يقع على عاتق الحكومة والمجتمع المحلي والمنظمات الدولية على حد سواء.

يجب أن تتضافر الجهود على الفور لتنفيذ هذه السياسات قبل أن تتحول هذه اللوحة الطبيعية الفريدة إلى مجرد ذكرى، وتفقد عدن درعها الطبيعي إلى الأبد.

المراجع:

مصادر ومراجع الورقة الرئيسية

1 . مقابلات صحفية مع خبراء في التغيرات المناخية، وأكاديميين في علوم الحياة والبيئة، نشطاء المناخ والبيئة، منظمات محلية، ومسؤولين في الهيئة العامة لحماية البيئة.

2 . تحقيقات صحفية معمقة (قيد النشر) - مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf).

3 . دليل محميات الأراضي الرطبة في عدن – الهيئة العامة لحماية البيئة.

4 . تقرير علمي حول محميات الأراضي الرطبة في عدن: الواقع والحقائق الغائبة نُشر في 20 ديسمبر 2024 مركز رؤى للدراسات.

5 . الخطة الإدارية لمحمية الحسوة 25 نوفمبر 2014.

مراجع ومصادر إلكترونية إضافية

1 . محمية بحيرة البجع في عدن: إهمال يُهدد التنوع مركز "سوث 24" 5 نوفمبر 2023.

2 . الأراضي الرطبة.. ومهددات بقائها في عدن منصتي 30 20 يناير 2020 .

3 . محميات الأراضي الرطبة في عدن تقرير حلم أخضر 7 مارس 2013 .

4 . محمية الحسوة في عدن من قصة نجاح إلى مكب للنفايات تقرير swissinfo.ch 17 مارس 2022 .

5 . جائزة خط الاستواء 22 سبتمبر 2014 .

6 . أزمة بين المنطقة الحرة وهيئة حماية البيئة على الصلاحيات.. مدينة سكنية فوق محمية طبيعية صحيفة النداء: 2 أبريل 2009 .

7 . قانون رقم (26) لسنة 1995م بشـأن حماية البيئـة .

8 . كتاب دوري رقم (5) لسنة 2021م بشأن التحقيق في جرائم البيئة .

9 . اللائحة التنظيمية لوزارة المياه والبيئة .

10 . التنوع البيولوجي البحري لمحميات عدن 25 نوفمبر 2014 .

11 . الأراضي الرطبة تدافع عن كوكبنا – الأمم المتحدة 2 شباط/ فبراير 2023 .

12 . حماية الأراضي الرطبة من أجل مستقبلنا – الأمم المتحدة 2 شباط/فبراير 2023 .

13 . مبادرة المناطق الرطبة المتوسطية "MedWet" .

14 . اتفاقية الأراضي الرطبة "رامسار" .

15 . منظمة الأراضي الرطبة .

16 . دليل الطيور المائية في عدن (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) 22 أغسطس 2016 .