> يحيى الأسلمي:

​حين تقرأ عنوانًا كبيرًا مثل «رحلة العبور إلى الحرية»، تتوقع كقارئ أن تجد حكاية ووصفاً لتجربة إنسانية خرجت من النفق إلى الأفق، من الخوف إلى الكرامة، ومن السجن إلى الانعتاق، مثل علي عزت بيغوفيتش (هروبي إلى الحرية) أو نيلسون مانديلا (رحلتي الطويلة من أجل الحرية).

لكن حين تكون وجهة تلك الرحلة هي السعودية وفي  عام 1979 بالذات، تتفتت المفاجأة وتبدأ الأسئلة. ففي أي معنى من معاني الحرية يمكن وصف الهجرة إلى المجتمع الوهابي السلفي آنذاك بأنها «عبور نحو الحرية»؟

وهل كانت تلك البلاد – في ظل سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – تمثل فعلًا مساحةً لتحرر الإنسان، أم أنها كانت انتقالًا من قيدٍ صغير إلى قيد أكبر للفكر؟

لن نركز على مشاعر كاتب الحكاية فمن حقه أن يكتب ما يشاء حسب مستوى وعيه كسلفي بيده أموال ومصالح. وسوف ينصب مقالنا على المقدمة التي كتبها دكتور في التاريخ.

المقدمة عبارة عن خواطر وعواطف شخصية تجاه الكاتب تستطيع أن تقول إنها سطور إخوانية يبادله فيها الوفاء بالوفاء. وهذا شيء طيب اجتماعياً، لكنه سقوط وضياع للمعنى.  ويزداد السقوط عندما نسأل فنعرف أن أن كاتب هذه المقدمة يعرّف نفسه بأنه بروفيسور في التاريخ أو مؤرخ، يفترض به الوعي بالمفاهيم وتفكيكها في سياقها الموضوعي.

لقد وقع في فخ السطحية المنهجية والفكرية، حين استخدم مفهوم "الحرية" بشحنة عاطفية خالية من التحليل التاريخي. فكيف يغيب عن مؤرخ أن الحرية ليست واقعة مكانية تُكتسب بالانتقال من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى، بل هي منظومة حقوق وقيم لا تُمنح إلا في ظل عدالة ومواطنة ومساواة؟

 خلط الكاتب بين الهروب من الفقر والعبور إلى الحرية، وبين الأمان المادي والتحرر الإنساني أو بين الخوف على تدينه السلفي من الفكر اليساري الثوري حينذاك.

فالسعودية في ذلك الزمن لم تكن أرضًا تحتضن الفكر الحر أو اليسار ، بل كانت مربعّا مغلقًا محكومًا بسلطة دينية وهابية متشددة تراقب المظهر وتُحاصر الفكرة.
فأين الحرية في بيئة لا تعترف إلا باتجاهٍ واحد للعقيدة، ولا ترى في الإنسان إلا تابعًا مطيعًا؟

كاتب الرحلة نفسه نشأ في بيئة سلفية متشددة هناك، وما زال يحمل ذلك الفكر حتى اليوم. وهنا يبرز تناقض كبير هو أن يرى الإنسان في الانضباط الديني الصارم شكلاً من أشكال الحرية!

إن هذه الحرية ليست حرية وعي ولا فكر، بل راحة من الخوف على المذهب، وسكينة في الطاعة الشكلية، أي إنها حرية سلبية أساسها نفي الذات وليس حضورها. وهو خلط شائع بين الأمان والحرية.

أما الواقع الذي هاجرت إليه تلك الأسرة، فهو محكوم بنظام الكفالة، أحد أبرز أشكال العبودية المعاصرة.

في ظله لا يملك العامل أو المقيم حرية الحركة أو العمل أو السفر إلا بإذن الكفيل. فقد جعل هذا النظام ملايين البشر رهائن لدى أصحاب العمل، تتحكم في مصائرهم التوقيعات والأمزجة، ويسجل التاجر الوافد أملاكه باسم
الكفيل أو شخص آخر يظل يتحكم فيه ويبتزه بشكل طفيلي بشع.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فحتى من وُلد في السعودية وعاش فيها عمره كلّه لا يُعترف له بحق المواطنة ولا يُمنح الجنسية، التي تمنح حالياً للفنانة والفنانات، رغم أن الانتماء الإنساني والولادة في الأرض من أبسط معايير الحق المدني في العالم.

فكيف يمكن إذّا أن نتحدث عن حرية وكرامة في بلدٍ يُقيم الحواجز القانونية والنفسية بين من يعيش على أرضه ومن يملكها؟ إنها حرية انتقائية، تُمنح بقدر الولاء وتُسلب بقدر الاختلاف.

ولأن مقدم الكتاب أراد أن يسقط على التجربة طابعًا دينيًا، وصف السعودية بأنها «أطهر بقاع الأرض»، وكأن الطهر المكاني يغسل القيد الإنساني. بهذا الوصف، تتحول الهجرة من تجربة بحث عن الكرامة إلى حكاية توبة أو التجاء إلى القداسة، لا إلى الحرية.

إنها محاولة لتجميل واقعٍ صعب بلغة الإيمان، لكنها في جوهرها تغيب عن فهم المعنى الحقيقي للحرية كحقٍّ إنساني، وليس كمنحةٍ روحية أو مكرمة ملكية.

من حق الكاتب أن يروي رحلته كما عاشها، لكن من واجب الأكاديمي أن يقرأها بعين الموضوعية، فالتاريخ لا يتم تشكيله بالعاطفة، بل يُفهم بمفاهيمه. وإذا كانت الرحلة إلى السعودية عام 1979 «عبورًا إلى الحرية»، فإلى أين كان إذّا طريق العبودية؟

إن الحرية لا تُقاس بعدد الخطوات في الصحراء، ولا في لحظة الوصول، بل تُقاس بما يتيحه المجتمع من مكانة للعقل، ومساحةٍ للاختلاف، وفرصةٍ للإنسان أن يكون ذاته بلا خوف من فقيه أو كفيل.
  • زبدة الكلام
إن الحرية ليست رحلة جغرافية، بل رحلة فكرية وشجاعة أخلاقية. هي تحرر من الخوف قبل أن تكون تحررًا من السلطة، وانعتاق من التبعية قبل أن تكون خروجًا من الوطن.

ليست الحرية أن نغادر أرضًا إلى أخرى، بل أن نغادر نمطًا من التفكير إلى أفقٍ جديد من الوعي.

وحين يختزل الأكاديمي الحرية في تجربة هروب أو انتقال، فإنه يقدم العبودية في صورةٍ جديدة، لأن الحرية التي لا تبدأ من داخل الإنسان، لا يمكن أن تكتمل في خارجه.ولذا، فإنَّ تصوّر الرجل للحرية شبيه بتصوّر أسماك الزينة أنَّ البحرَ مجرد امتدادٌ لحوضها.

الكتاب: رحلة العبور إلى الحرية/ للشيخ محمد بن سالم بن علي جابر
تقديم: أ.د. عبدالله سعيد بن جسار