يقال دائمًا: "كن أنت البادئ بالسلام". لكن، ماذا لو لم يعد السلام كافيًا؟ ماذا لو صار مجرد تحيةٍ باردةٍ نخبئ وراءها وجوهًا مجاملة؟

لقد أصبحنا نتصالح بالكلمات ونفترق بالقلوب، نبتسم احترامًا ونتنفس حذرًا، نحفظ الإتيكيت وننسى الإحساس.

السلام جميل، لكنه لم يعد يكفي، فالعالم اليوم لا يحتاج إلى من يبدأ بالسلام، بل إلى من يسابق بالحب.

لأنّ السلام قد يكون هدنة، أما الحب فهو حياة، الحب بذرة تنمو وتتكاثر. السلام قد يوقف الخصومة، أما العطاء فيعيد بناء الجسور. السلام يجمّد النار، لكن الحب وحده يحوّل الرماد إلى دفء.

في الأسرة مثلًا، كم من أبٍ وأمٍّ يتبادلان السلام كل صباح، لكن المسافة بينهما تمتدّ كقارةٍ من الصمت؟

وكم من إخوةٍ يلقون التحية بأدبٍ، لكنهم لا يتقاسمون لحظة صدقٍ أو عناقًا يرمّم ما تهشّم؟

الأسرة التي تتوقف عند السلام، تشبه حديقة تُروى بالماء المقطّر: لا تموت، لكنها لا تزهر.

في المجتمع كذلك، نصنع مهرجاناتٍ للتسامح، ومؤتمراتٍ عن التعايش، لكنّنا ننسى أن الحب لا يُعلن في المنصات، بل يُمارس في الأحياء، في التفاصيل الصغيرة: في موظفٍ يبتسم بصدق، في جارٍ يتقاسم الخبز، في شابٍّ يردّ الإساءة بالحسنى لا طلبًا للثواب، بل لأنّ قلبه لا يعرف طريقًا آخر، في رفيق درب يستمر في العطاء رغم الخذلان، لأنه ينظر لوجه الله ثم يبتسم.

السلام هو الحدّ الأدنى من الإنسانية، أما الحبّ فهو قمّتها.

السلام يطلب الإنصاف، والحبّ يمنح الفضل. السلام يحتاج إلى شجاعة، لكن الحبّ يحتاج إلى تضحية.

حين يتسابق الناس إلى السلام، يصنعون هدوءًا مؤقتًا.

لكن حين يتسابقون إلى العطاء، يصنعون تاريخًا جديدًا للإنسان.

فالذي يبدأ بالسلام، قد يفعل ذلك كي لا يُلام. أما الذي يبدأ بالعطاء، فيفعل لأنه يرى في الآخر مرآته، لا خصمه.

إن المجتمع الذي يريد أن يعيش، عليه أن يرتقي من لغة المصالحة إلى لغة المحبة، ومن حساب الأرباح والخسائر إلى ميزان الكرم الداخلي. وكل بيتٍ يريد أن يكون منارةً في زمن القسوة، عليه أن يتقن فنّ “المبادرة بالعطاء قبل الطلب”، وأن يعلّم أبناءه أنّ التضحية ليست ضعفًا، بل أرقى أشكال القوة.

فابدأ بالحبّ، لا بالسلام. ابقَ في دائرة العطاء حتى حين يتعب الآخرون من الكلام.

وإن سُئلت يوماً: لماذا تعطي أكثر مما تأخذ؟

قل ببساطة: لأنّ العطاء هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القلب دون ترجمة.