حديث الدكتور ناصر الخبجي عن أنّ «المرجعيات القديمة لم تعد صالحة للحل» لا يعبّر عن حرص على السلام بقدر ما يكشف رغبة واضحة في الهروب من أي إطار وطني جامع، واستبداله بمرجعيات مصممة وفق مقاس المجلس الانتقالي ورعاته. فالمشكلة لم تكن يومًا في 2216 أو في مخرجات الحوار الوطني، بل في محاولات فرض وقائع جديدة خارج أي شرعية شعبية أو دستورية.

من يتحدث باسم “حق الجنوب” بينما يقصي أبناء أبين وشبوة والمهرة وحضرموت، ويستبدل مؤسسات الدولة بكتائب ممولة من الخارج، لا يمكنه الادعاء أنه يمثل شعبًا كاملًا. الحق لا يُنتزع بالقوة، والتمثيل لا يُفرض بالسلاح، والسيادة لا تُمنح لمن لا يؤمن بالشراكة الداخلية قبل الشراكة مع الآخر.

الخبجي يتجاهل – عمدًا – أن ما يسميه واقعًا على الأرض هو واقعٌ صُنع عبر الإقصاء والسيطرة المسلحة وانعدام أي تفويض شعبي حقيقي. فإذا كان الانتقالي صادقًا في حديثه عن “تقرير المصير”، فليبدأ أولًا بتقرير مصير المواطن داخل مناطقه عبر أدوات الدولة، لا أدوات الميليشيا:

• أين المؤسسات؟

• أين الصناديق والانتخابات؟

• أين حرية المنافس السياسي؟

• أين احترام المواطن المختلف؟

لا سلام يمكن أن يولد من عقلية تعتبر نفسها “الحقيقة الوحيدة” و ”الممثل الحصري” وتتعامل مع الآخرين كخصوم يجب إقصاؤهم. السلام الذي يبدأ من نقطة واحدة وينتهي عند نقطة واحدة — سلطة بلا محاسبة، وتمثيل بلا انتخاب، وقرار بلا شرعية — ليس سلامًا، بل وصفة لإعادة إنتاج الصراع.

السلام الحقيقي لا يقوم على فرض “حقائق الأرض” التي صنعتها الميليشيات، ولا على تقسيم البلاد وفق خطوط نفوذ وإملاءات خارجية، بل على إرادة اليمنيين جميعًا: شمالًا وجنوبًا، دون وصاية، ودون سلاح خارج الدولة، ودون ولاءات تتجاوز حدود الوطن.

باختصار:

ما يطرحه الخبجي ليس إطارًا للحل، بل إطارًا لإعادة إنتاج الأزمة… ولكن بوجوه جديدة وأدوات جديدة.

والحل سيظل واحدًا: دولة عادلة، ومؤسسات قوية، وقرار يمني خالص لا يملكه إلا الشعب.