> أنسام عبدالله:
- تبلغ مساحته التاريخية ما يقارب 380 فدانًا.. وادي الحسيني: جنة لحج المفقودة
- العمري: الحسيني كان جنة بالمعنى الواقعي، لا نستطيع تجاوزها بسهولة
- انخفاض نسبة من يعتمدون على الزراعة من 80 % إلى 30 % فقط بسبب الحرب
- سيول أغسطس 2025 تمثل الحدث الأشد قسوة في الذاكرة القريبة
- حصر المخالفات والتعديات داخل الحسيني وإزالة البعض منها بأحكام قضائية
> في قلب محافظة لحج، وتحديدًا في دلتا وادي تبن الخصيب، يقع وادي الحسيني الذي شكّل يومًا ما أيقونة زراعية بارزة في جنوب اليمن، ومسرحًا لتلاقي الفنّ بالطبيعة. لم يكن هذا المكان مجرد أرضٍ تُزرع، بل كان رمزًا للجمال الزراعي والنهضة الثقافية التي أسسها الأمير والشاعر أحمد فضل القمندان، أحد أبرز أعلام السلطنة العبدلية، التي امتدت بين عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

جعل القمندان من الحسيني مصدر إلهامه الأول، وخلّد خضرته في قصائده وأغانيه التي تجاوزت حدود لحج والجنوب، وبالأخص تلك التي غناها الفنان الشهير فيصل علوي.
كان القمندان، كما يصفه المؤرخ حسن كرد، شاعرًا وزارعًا في آنٍ واحد، إذ استلهم من بستان الحسيني الكثير من أشعاره، وزرع فيه الأزهار والأشجار التي جلبها من الهند بالتوازي مع النهضة الغنائية والفنية في لحج. ومن بين ما تغنّى به قوله:
"في الحسيني من الفواكه كثيرة
والفنص والجامبو و جاد خيره
يا سقى الزهر في تلك المطيرة
والغصون الراوية في الخضيرة"
كانت هذه الأبيات انعكاسًا لصورة الحسيني كما عرفه أهله لعقود طويلة؛ بستانًا مترفًا بالخضرة، ومركزًا للنهضة الزراعية والفنية التي ميّزت لحج عن غيرها. غير أنّ هذا الفردوس الذي شكّل نموذجًا للخصوبة والإدارة التقليدية للمياه لم يبقَ على حاله. فبين تحولات المناخ القاسية، وتبدّل أنظمة الملكية، وتراجع الدعم المؤسسي، بدأت ملامح الحسيني تتغير تدريجيًا حتى صار مثالًا حيًا على تدهور البيئات الزراعية في الجنوب.
ومن هنا، يأخذ هذا التقرير القارئ في رحلة داخل الوادي، مستعرضًا تاريخه الممتد، وتحولاته البنيوية، وشهادات مزارعيه، والعوامل المناخية التي بدّلت وجهه، وصولًا إلى الأبعاد التنموية والقانونية التي تحدد مصير "جنة لحج المفقودة".
- الجغرافيا والمواصفات الزراعية
تتميّز أراضي الحسيني بتربةٍ خصبة غنية بالعناصر العضوية والمياه الجوفية العذبة، مما جعلها نموذجًا زراعيًا فريدًا في دلتا تبن.

لم يكن الحسيني وحدة زراعية واحدة، بل منظومة متكاملة من البساتين الصغيرة التي حملت أسماء تعبّر عن الحميمية والجمال مثل: قرة العين، البصرة، الرمادة، الفلق سنان، الطويل، الأزرقي، خميرية، اللبان وغيرها.
- تدهور الحسيني
فبعد أن كانت مساحته الأصلية تقارب 380 فدانًا في زمن السلطنة العبدلية، تحوّلت اليوم إلى ثلث تلك المساحة فقط، كما يؤكد المزارع المخضرم ورئيس جمعية "عبر لحسان الزراعية" فضل العمري، الذي رافق الفريق الميداني لمركز سوث24 في جولة داخل بعض الأراضي الباقية.

قال العمري إن الحسيني "كان جنة بالمعنى الواقعي، لا نستطيع تجاوزها بسهولة لشدة تزاحم الأشجار، حيث كانت مصادر المياه متوفرة على مدار العام، وكانت تُسقى من الينابيع الطبيعية والسيول الموسمية المنتظمة حتى العام 1992.
"مضيفًا أن البستان كان "شبه محمية من الدولة في الجنوب" في عهد ما قبل الوحدة (ما قبل 1990)، حيث حظي باهتمام مباشر ورعاية رسمية لأشجاره النادرة والمعمّرة. لكن هذا الواقع تغير منذ ذلك العهد، وتراجع وادي الحسيني.
ويُرجع العمري أسباب التراجع إلى جملة من العوامل البنيوية؛ منها التغير في ملكية الأراضي بعد الوحدة اليمنية، حيث تم إلغاء قانون التأميم وإعادة الأراضي إلى ملاكها الأصليين من السلاطين الذين لجأوا إلى تأجيرها سنويًا للمزارعين.
هذا التحوّل، وفقًا للعمري في أنظمة الملكية، وفقًا للعمري، أدّى إلى عبءٍ ماليٍ كبير على المزارعين محدودي الدخل، الذين لم يتمكنوا من تحمّل تكاليف الزراعة، ما ساهم في تقلّص المساحات الخضراء وتحويل أجزاء من الأراضي إلى محطات وقود ومصانع نتيجة الزحف العمراني والبيع الجائر.

ويضيف العمري أن نمط السكان تغيّر بدوره، إذ انخفضت نسبة من يعتمدون على الزراعة من 80 % إلى 30 % فقط خلال الأعوام الأخيرة بسبب الحرب وعوامل اقتصادية، في حين تراجعت إنتاجية محاصيل رئيسية مثل الموز بنسبة 40 % مقارنة بما قبل عام 2015.
وأشار إلى تضاعف كلفة الحراثة الآلية، وارتفاع أسعار الوقود. وكذلك ارتفاع أسعار البذور وغياب الدعم الحكومي.
وأوضح العمري أن التحولات البيئية والمناخية عمّقت الأزمة، فبعد أن كانت أشجار المانجو تُزهر في أكتوبر، تغير الموسم فجأة، كما تغيّرت مسارات السيول وتزايد الحفر العشوائي للآبار، حتى باتت المسافة بين بئرٍ وأخرى لا تتجاوز خمسين مترًا بعد أن كانت تُلزم سابقًا بمسافة لا تقل عن 500 متر، مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية وهبوط منسوبها بشكل خطير.
- العوامل المناخية
ولعلّ سيول أغسطس 2025 تمثل الحدث الأشد قسوة في الذاكرة القريبة، إذ جرفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في دلتا تبن، من بينها أجزاء كبيرة من الحسيني، وخلّفت خسائر فادحة في المحاصيل والبنية الزراعية.

يؤكد وكيل وزارة الزراعة والري ومدير عام مكتب الزراعة بمحافظة لحج عبدالملك ناجي أن المحافظة "تعرضت في 23 أغسطس الماضي لسيول جارفة أدت إلى أضرار كبيرة أثرت على مناطق زراعية هامة، بينها الحسيني ومديرية تبن بشكل عام، حيث تأثرت الوادي الأعظم والوادي الصغير وكل الأراضي التي تقع على ضفافهما".
وأوضح لمركز سوث 24 أن المكتب أعد تقريرًا مفصلًا لحصر الأضرار، لكنه في الوقت ذاته أكد أن مكتب الزراعة "لا يمتلك ميزانية تشغيلية معتمدة من الوزارة، ولا حتى جرّارات لمعالجة الأضرار"، مضيفًا أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أرسل فريقًا ميدانيًا لتقييم الخسائر وتقديم تدخلات عاجلة.
من جانبه، يوضح المهندس الزراعي في مكتب الزراعة والري حسن بحرق أن الأزمة المائية في الحسيني ليست وليدة اليوم، بل نتيجة لتغيرات تراكمية. وقال لمركز سوث24: "في سبعينات وثمانينات القرن الماضي كانت المياه متوفرة بكثرة من السيول والغيول والينابيع على مدى العام، حيث كانت نسبة الأراضي التي تُسقى بمياه السيول تشكل 80 %، والتي تُسقى بالآبار 20 %. أما الآن فقد انعكست النسبة تمامًا".

ويضيف أن عدد الآبار في الحسيني كان في السابق نحو 12 بئرًا، أعماقها لا تتجاوز 30 مترًا، بينما اليوم "تم تعميق بعضها إلى 70 و100 متر نتيجة هبوط المنسوب الجوفي"، مؤكدًا أن خمس آبار "جفت تمامًا ولم تُعمّق"، في حين أُعيد إحياء سبعٍ منها فقط باستخدام الحفارات.
ويشير بحرق إلى أن اعتماد الطاقة الشمسية في الري بدل الوقود الأحفوري، رغم أنه وفّر تكاليف التشغيل، إلا أنه أسهم في زيادة استنزاف المياه، لأن الري بالطاقة الشمسية يجري من الصباح حتى المغرب "من دون حساب أو مراعاة"، مما أدى إلى تسارع نضوب المياه الجوفية.
- وجوه الأرض المقاومة مستمرة
في أولى محطات الجولة الميدانية، استقبلت الفريق المزارعة نصرة مهدي، عضوة القيادة النسوية في جمعية "عبر لحسان" الزراعية، التي تعمل في أرضها بنفسها منذ سنوات طويلة.
كانت يداها المرهقتان من العمل تروي قصة ارتباطٍ لا ينكسر مع الأرض، إذ تقول لمركز سوث24 : "لم أستسلم للظروف وظللت متمسكة بقطعة أرضي التي ورثتها من أجدادي. أعمل لساعات متأخرة تمتد إلى المغرب، مستعينة في مواسم الحصاد بنساء من الجيران."
وتضيف: "أنا من عشر نساء فقط بقين مستمرات بالزراعة، نزرع اللقم والمانجو والفل والديمن. أحيانًا نغطي التكاليف وأحيانًا نخسر، لكننا نواصل لأن لا مصدر دخل آخر لدينا".

أما المزارع دنواح علي محمد فيعبّر عن قلقٍ من نوع آخر. قال لمركز سوث24: "لدينا تجربة مريرة مع محصولي البصل والطماطم، نخسر بشكل كبير حتى يصل الكيلو إلى 200 ريال فقط".
ويفسر أن السبب يعود إلى "غياب التخطيط والتنظيم بين المزارعين والتجار، فالكل يزرع ويسوّق في الوقت نفسه، مع قلة خطوط التسويق خارج المحافظة"، ويضيف أن خسائرهم "فاقت عشرة ملايين ريال هذا الموسم".
هذه الشهادة تكشف أن معاناة المزارعين لا تقتصر على المناخ أو المياه، بل تمتد إلى غياب التنظيم الزراعي والتسويق المنسق، ما يجعل الحسيني نموذجًا لفوضى الإنتاج في ظل غياب الإرشاد الزراعي والدعم التسويقي.
- العجز المؤسسي
وقد امتد هذا القصور حتى إلى الجوانب الثقافية، كما يشير مدير مكتب التخطيط والتعاون الدولي في لحج د. هشام السقاف.
وقال السقاف أن مهرجان القمندان الثقافي الزراعي الذي كان مقرّرًا نهاية نوفمبر الجاري تم تأجيله، بسبب تأخر التمويل المخصص من وزارة الثقافة اليمنية.
وأوضح السقاف أن القرار جاء "احترامًا للحالة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون في لحج ومعاناتهم المعيشية”، لكنه شدّد في المقابل على الأهمية الرمزية للحسيني باعتباره رمزًا للنهضة الزراعية التي أسسها القمندان".
أما المستشار القانوني لمكتب الزراعة والري ماريو أحمد ناصر، فقد أكد أن الحسيني يواجه موجةً متصاعدة من التعديات على أراضيه الزراعية من خلال البناء السكني.
وقال لمركز سوث24 إن هناك تعديات على الأراضي الزراعية بالحسيني، ومثال على ذلك أرض قرة العين الشهيرة التي تغنّى بخضرتها القمندان في قصيدته الشهيرة* قائلًا:
"يا ذي تبون الحسيني
عزمت باسري معاكم
بالي قدا قرة العين"
وأضاف: "رغم أن المخططات السكنية لا تزال بسيطة، إلا أنها موجودة نتيجة بيع الملاك الأصليين عن طريق وكلائهم، أو بسبب حاجة بعضهم الملحّة في ظل تدهور الزراعة”.
ولفت ناصر إلى أن القسم القانوني في المكتب "قام بحصر المخالفات والتعديات داخل الحسيني، وتمت إزالة البعض منها بأحكام قضائية ووفقًا للقانون"، مشددًا على أن "من الأولى مراعاة الأراضي الزراعية وإيقاف التعديات العمرانية والاهتمام بها حتى لا تتحول إلى صحارى".
- معالجات مطلوبة
1. المعالجة المائية: تحسين الأمن المائي من خلال تعزيز إدارة الموارد السطحية والجوفية، والاستثمار في بنية تحتية للريّ مقاومة للمخاطر المناخية، بحيث تدمج بين الأنظمة الحديثة وتقنيات الحصاد المائي التقليدية.
2. المعالجة الزراعية: تبنّي استراتيجيات زراعية مبتكرة تقوم على تنويع المحاصيل واستخدام أصناف تتكيّف مع الظروف المناخية المتغيرة، بما يضمن استدامة الإنتاج وتقليل الفاقد المائي.
3. المعالجة المؤسسية: تفعيل نهج تكاملي بين العمل المناخي والتنمية الزراعية، يقوم على شراكة فعلية بين السلطات المحلية، والمنظمات، والجامعات، والمجتمع الزراعي، لتطبيق خطط متكاملة لإدارة الأراضي ومكافحة التصحر والزحف العمراني.
في نهاية الرحلة، حين كنا نغادر وادي الحسيني، كانت الشمس تميل ببطء خلف أطراف دلتا تبن، تاركة خيطًا من الضوء الذهبي فوق ما تبقى من البساتين. بدا المشهد كما لو أنه محاولة أخيرة من الطبيعة لتذكيرنا بما كان عليه هذا المكان يومًا؛ جنة تُنبت الشعر كما تُنبت الفل.
على الطريق الترابي، كان هدير المزارع الأخيرة وإصرار أهل الأرض يرافقنا مثل صدى بعيد، يصرّ على أن الحسيني لم يستسلم بعد. وحين غابت الشمس تمامًا، بدا الوادي خلفنا غارقًا في ظلّ هادئ، يشبه صمت الأماكن التي تنتظر من يسمع نداءها.
"سوث24 "




















