> عدن "الأيام" خاص:

وجّه رئيس مجلس الوزراء، سالم صالح بن بريك، أمس، وزير الدفاع الفريق الركن محسن الداعري، بسرعة فتح تحقيق عاجل في قضية استيلاء قيادة محور تعز العسكري على الموارد العامة للدولة، وفي مقدمتها ضريبة القات، وذلك عقب بلاغ رسمي رفعه مكتب الضرائب في المحافظة يكشف عن تدخّل جهات عسكرية في تحصيل الإيرادات خارج القنوات القانونية.

وتضمّن توجيه رئيس الوزراء إحالة المسؤولين عن عمليات الجباية المخالفة إلى الجهات الرقابية والقانونية المختصة، إضافة إلى إلزام قيادة محور تعز بوقف أي تدخل في موارد الدولة وإزالة نقاط الجبايات من الطرقات، في خطوة تؤكد توجه الحكومة إلى بسط نفوذ مؤسسات الدولة وتوحيد الأوعية الإيرادية.

التوجيه الحكومي يأتي في ذروة أزمة متفاقمة بين الحكومة الشرعية ووزارة الدفاع من جهة، وقيادة محور تعز الموالية لحزب الإصلاح الإخواني من جهة أخرى، إثر تفجّر قضية سيطرة المحور على ضريبة القات ومصادر إيرادية أخرى، وتحويلها إلى مورد مالي موازٍ خارج إطار الدولة.

وتحوّلت القضية، وفق مراقبين، إلى أداة مساومة سياسية وعسكرية، بعدما روّجت وسائل إعلام إخوانية لخطاب يهدّد بإسقاط مدينة تعز بيد ميليشيا الحوثي إذا أصرت الحكومة على استعادة هذه الموارد لصالح السلطة المحلية ومشاريع التنمية، كما هو معمول به في بقية المحافظات المحررة.

وفجّرت تلك الحملات موجة انتقادات واسعة، خصوصًا بعد نشر وثائق رسمية تكشف حجم الاستيلاء على الأموال العامة وتوجيهها بعيدًا عن خزينة الدولة.

الوثائق المسربة من مصلحة الضرائب في تعز كشفت حجم الإيرادات التي استولى عليها محور تعز خلال عام 2024، إذ بلغ إجمالي ضريبة القات المنهوبة نحو مليارين و226 مليون ريال، بينها 546 مليون ريال جرى تحصيلها نقدًا مباشرة، فيما تُظهر إحدى الوثائق أن مبالغ تجاوزت مليارًا و680 مليون ريال جرى تحصيلها خلال خمسة أيام فقط في مايو الماضي.

وتشير وثائق أخرى صادرة في يوليو إلى أن قيادات عسكرية محسوبة على الإخوان استولت على أكثر من مليار و849 مليون ريال خلال أقل من شهرين، إضافة إلى 600 مليون ريال شهريًا من جبايات الوقود والغاز، وما يزيد عن 100 مليون ريال شهريًا من إيرادات الهجرة والجوازات.

هذه الأرقام، وفق خبراء، تكشف وجود منظومة مالية موازية تُدار داخل المؤسسة العسكرية في تعز خارج رقابة الحكومة والسلطة المحلية، بما يحرم المحافظة من مواردها المخصصة للخدمات الأساسية.

قدّمت قيادة المحور الإخواني تبريرًا لتصرفاتها بأن الأموال "مخصصة لدعم الجبهات وتعزيز الجاهزية القتالية"، غير أن الواقع، بحسب مراقبين محليين، يكشف أن الجبهات في تعز شبه مجمّدة منذ سنوات ولم تشهد عمليات هجومية حقيقية ضد الحوثيين.

ويشير محللون إلى أن المحور يتلقى من الحكومة دعمًا غذائيًا ولوجستيًا منتظمًا، لكن القيادات العسكريّة تسعى إلى الحصول على مخصصات تشغيلية إضافية تُستخدم خارج نطاق الإنفاق العسكري الفعلي، وبما يخدم رفاهية القيادات ودوائر النفوذ الحزبية.

وتحذّر مصادر سياسية من أن استمرار هذا العبث المالي يضرب ثقة المواطنين بالحكومة الشرعية، في وقت تتطلب فيه المحافظة أعلى درجات التماسك لمواجهة الحصار الحوثي المستمر منذ سنوات. كما أن إضعاف السلطة المحلية وتجفيف مواردها يفتح المجال أمام محاولات الحوثيين لاختراق المؤسسات وتوسيع نفوذهم.

وفي سياق مواجهة هذا التمرد المالي، أكدت الحكومة التزامها ببرنامج إصلاحات شاملة يهدف إلى توحيد الإيرادات وضمان توريدها للبنك المركزي، معتبرة أن استيلاء المحور على ضريبة القات يمثل جريمة مالية وانحرافًا خطيرًا عن القانون.

كما أحال مجلس القيادة الرئاسي ملف تلبية احتياجات الجيش في تعز إلى السلطة المحلية، لضمان صرف المخصصات بشفافية بعيدًا عن شبكات الفساد الحزبية التي تسيطر على المؤسسة العسكرية في المحافظة.

وتكشف هذه القضية حجم التداخل بين النفوذ الحزبي والعمل العسكري في تعز، واستخدام بعض القيادات لسلاح الابتزاز السياسي لفرض السيطرة على موارد الدولة.

وفي وقت تمضي فيه الحكومة نحو إصلاحات مالية صعبة وسط شح الإيرادات وتحديات الحرب، تمثل أزمة ضريبة القات اختبارًا لمدى قدرة الدولة على استعادة مؤسساتها وضبط الفصائل المسلحة، وإعادة الثقة للشارع اليمني الذي أنهكه الفساد والصراع المزمن على الموارد.