- قصر البراق وذاكرة عدن.. تاريخ المعمار والسلطة والتعليم في الخليج الأمامي
المدراسي: وهو عبارة عن مبنى مدرسة أسست في العام 1951م، بناها رائد التعليم حينها "ياسين راجمنا"، والذي أطلق على أسرته (بيت المدراسي) وذلك لكثرة المدارس التي افتتحها في عدن والتواهي ولحج، وهذه المدرسة ضمت مختلف الأجناس والأديان التي كانت تعيش في عدن، من عرب ويهود وفرس وهنود ويونان وغيرهم من الأجناس الأخرى، وكان المدرسون يستقدمون من الهند للعمل فيها، ثم تم تأسيس مدرسة مجاورة لها للبنات، وكان لهذه الأسرة دور كبير في التعليم والنهضة العلمية لأبناء عدن، ما جعل الكوادر المؤهلة والتي خدمت في عدن ما قبل الاستقلال، قد مرت أكثرها بهذه المدارس، وكذلك معهد تعليم الطباعة، والذي استمر إلى التسعينات من القرن الماضي، عندما آلت ملكيته إلى الدولة بعد الاستقلال، وجعلته معهد لتدريب الكوادر التي تعمل معها في مختلف الوزارات والمحافظات، وأتذكر أني كنت مع صديقي المرحوم "ناصر أحمد الربل" والذي كان يعمل كاتبًا في إدارة محافظة شبوة، وقد قابلته في عدن، وذكر لي أن لديه دورة على الآلة الكاتبة في نفس المعهد، حيث كان ممن يجيدون الطباعة على تلك الآلة، فقد ذكر لي أنه يطبع ستين حرفًا أو كلمة في الدقيقة لا أتذكر، هذا في العام 1978م.

وعندما كنا نمر جوار المعهد من جهة مجرى السيل، كنا نسمع فرقعة مفاتيح الأحرف على الطابعات، التي يتعلم عليها المتدربون بشكل واضح، وقد تمت تسميت هذا الشارع باسم ذلك الشخص الذي قدم لعدن الكثير من الفوائد العلمية، حيث اعتمدت السلطات البريطانية اسمه، وأصبح اسم الشارع يحمل ياسين راجمنار.
- مدرسة الخليج الأمامي
- الريزميت "Regiment "
والتي هي في الأصل كلمة إنجليزية تحورت إلى العربية، وتعني وحدة عسكرية (Regiment).

ثم يلي مدرسة الخليج الأمامي، مبنى خصص كثكنات للجيش البريطاني في الخليج الأمامي، اطلق عليها "الريزميت" ثم تحولت بعد ذلك إلى محكمة تجارية، وبعد الاستقلال تم تحويلها إلى مدرسة إعدادية سميت (مدرسة شمسان الإعدادية)، وهذا المبنى ضخم جدًّا من دورين، مبني من الحجر على الطراز العدني، وكان سقفه مرتفعة جدا، وبه (برندات)، بلكونات، تطل على ملعب لكرة القدم، وشبابيكه أيضا كبيرة، وتم الحاق به مبنى آخر في السبعينات من القرن الماضي، لزيادة عدد الصفوف في المدرسة، وقد درست في هذه المدرسة في ثالث إعدادي العام 1977م، وزملائي كما أتذكره بعضهم، هم جوزر ونوشاد وعارف اليافعي وعبد الحكيم الضالعي؛ والزميل عبد الحكيم الضالعي بعد انقطاع عن الالتقاء به من هذا التاريخ، إلى أن وجدته بالصدفة في حراسة مكتب سكرتير منظمة الحزب في محافظة عدن، الشهيد هادي أحمد ناصر، في قصر سلطان لحج، عندما كان يؤدي الخدمة العسكرية حينها، وعلي احمد سنان من يافع، وغيرهم لا أتذكرهم، وكان مدير المدرسة "المغلس"، ويمتاز الطلبة في تلك الفترة بنوع من الشقاوة، حيث أتذكر ذلك الموقف من البعض منهم، عندما كانت إدارة المدرسة تقوم بترميمها، ووفرت الزجاج للشبابيك، فما كان من الطلبة الأشقياء إلا رمي تلك الصناديق التي تحتوي على القزاز حتى تحطمت، وآخرون يقومون بتكسير الكراسي، وتعطيف ريش المراوح وتكسير أفياش الكهرباء، ما جعل إدارة المدرسة تعاني الويل في تربيتهم.

وأتذكر أن منزل مدير المدرسة المغلس قريب من المدرس، بعد بوابة الخروج على اليسار، وتجاور المدرسة وزارة الحكم المحلي وكان حينها علي سالم البيض وزير الحكم المحلي.
وبالاتجاه إلى (الريزميت) والتي هي في الأصل كلمة إنجليزية تحورت إلى العربية، وتعني وحدة عسكرية ((Regiment، مع العلم أن هذا الاسم يشمل هذه المنطقة كلها، وذلك كما ذكرت سابقا، بأن هناك ثكنة عسكرية، أقيمت فيما سمي بالمحكة ومن ثم إعدادية شمسان فيما بعد، وفيها ونجد هناك معلم تاريخي كبير وهو (قصر السلطان العبدلي)؛ أو كما أطلق عليه (قصر البراق)، والذي يعود الى سلطان لحج السلطان "فضل بن علي العبدلي"، حيث كان مسكنًا للسلطان العبدلي سلطان لحج وأسرته، وقد بني ما بين 18/1912م، وقد تم بناؤه بالحجر، البناء المعهود في عدن، الا انه تميز في طرازه بالطراز الإسلامي، حيث ترى الفخامة والجمال عند مشاهدتك لذلك القصر، وقد يعيدك إلى العصور الإسلامية القديمة، التي كانت تعيش في أوج عظمتها من حيث الفن المعماري في الأندلس؛ فترى الزخارف والأقواس منتشرة على الأبواب والشبابيك، ما أعطاه من الفخامة الشيء الكثير.

وقد أصبح معلما تاريخيا من معالم عدن، ما جعل السواح من الداخل والخارج يأتون لرؤية تلك التحفة المعمارية الجميلة، وقد بني من دورين، وتوجد بداخله الغرف الواسعة، وهذا ما بدى لي عندما زرته، في العام 1985م، عندما زرت الشهيد "هادي احمد ناصر المدحجي العولقي" يرحمه الله، عندما كان سكرتير لمنظمة الحزب الاشتراكي في عدن، حيث رأيت تلك الفخامة على البناء، وكذلك حجم الغرف الواسعة التي يحتويها، مع العلم أنني أراه من الخارج كثيرًا، لأننا كنا نمارس لعب كرة القدم في ملعب (الهوكي) المجاور له، والذي كان مخصص للعبة الهوكي قبل الاستقلال.

وبعد الاستقلال أطلق عليه (قصر 14 أكتوبر)، تيمنا بتاريخ انطلاق الثورة في الجنوب ضد الاستعمار البريطاني في العام 1967م، وكذلك تم تحويله إلى مقر لصحيفة 14 أكتوبر الصحيفة الرسمية للدولة، وتحول جزء منه إلى وزارة الثقافة والسياحة، وقد كانت تعرض فيه بعض المخطوطات التاريخية، ومن القائمين على هذا العمل هو "الدكتور احمد صالح رابضة"، والذي كان يعمل على البحث عن تلك المخطوطات، واستخراج ما فيها من تاريخ، وان كانت كالرميم، حيث رايته يحمل بعضًا منها إلى منزله لقرأتها، والتي قد لحق بها من التلف الشيء الكثير، إلا أنه ولحبه وشغفه بالتاريخ والحفاظ عليه، قد بذل جهود كبيرة من اجل الاستفادة من ما فيها من تاريخ، ومحاولة إرجاعها إلى الحياة، في زمن لا يقدّر المبدعون فيه، بل يقدّر فيها المزايدون ومن يسيرون في فلك النضال الثوري، حيث إنني سمعته وهو يشتكي من الظلم الذي تعرض له، كونه ليس حزبيا، وذلك عندما كانت تمنح دورات في اللغة الإنجليزية لبعض الحزبيين، والتي حرم منها.
ووقد تحول القسم الآخر من القصر، إلى مقر لمنظمة الحزب الاشتراكي اليمني محافظة عدن.


















