في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات قبل أن تكتمل الحقائق، وتُطلق الأحكام قبل أن تنضج المعرفة، تأتي الآية الكريمة “ولا تقفُ ما ليس لك به علم” بوصفها وقفة إنسانية قبل أن تكون توجيهًا دينيًا؛ وقفة تُعيد ترتيب ضمائرنا، وتدعونا إلى التأني قبل أن نقول، وإلى التعقّل قبل أن نحكم. فالقول بلا علم ليس مجرد خطأ لغوي أو تعبير عابر، بل هو شكل خفيّ من أشكال الظلم قد يبدأ في البيت وينتهي في المجتمع بأسره.
في الأسرة، قد يكون أكثر ما يجرح القلب هو الأحكام الجاهزة التي تُطلق بلا فهم. كم زوج يهين زوجته أمام أطفاله ويصفها بالمستهترة، وكم من ابن صادق في عطائه اتُّهم بأنه لا يبالي، فقط لأنه لم يشرح تعبه، وكم من ابنة تحمل همّ الجميع فوق كتفيها وتُدان بأنها مقصرة وعنيدة، بينما هي تتعب في صمت كي لا تثقل على أحد. في بيوت كثيرة، يُظلم الإنسان من أحب الناس إليه، لا بسوء نية، بل بسوء فهم. إن الظنّ السريع، واتهام الآخر بنية لم يقلها، وتفسير تصرفه بعيدًا عن حقيقة قلبه، كلها صور من “القول بلا علم” الذي يترك جرحًا قد يبقى لسنوات. فالكلمة الظالمة داخل البيت لا تسقط في الفراغ، بل تسقط على روح تُحاول بكل ما فيها أن تكون أفضل مما يُظن عنها.
وحين يغادر الإنسان منزله، يجد أن المجتمع يعيد إنتاج هذا الخطأ بشكل أكبر. فهناك من يُحكَم عليه بأنه خطر أو خصم، وهو في الحقيقة مسالم لا يعرف إلا الخير. وهناك فئات كاملة تُحمّل ما لم تفعله، فقط لأنها مختلفة، مثل البهائيين وأمثالهم من اتباع الأديان، التي تعيش بهدوء وتسهم في تقدم ورفاهية المجتمع بسلام، ومع ذلك قد تجد نفسها تحت قيود الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى معرفة. وهناك كتاب ومثقفون وأصحاب رأي لا يحملون إلا الكلمة والفكرة، ومع ذلك يُساء إليهم أو يُضيَّق عليهم بسبب ظنون لا تقوم على أساس. إن أسوأ ما قد يُمارسه المجتمع هو أن “يظن” بدل أن “يعرف”، وأن يحكم على النوايا بدل أن يتحقق من الوقائع، وأن يبني رأيًا من رواية غير دقيقة دون أن يكلّف نفسه عناء التثبّت.
وفي وسط كل هذا، يقف الإعلام باعتباره ميزان الوعي الجمعي، ومرآة المجتمع، وصوت الحقيقة. الإعلام الذي يتقن دوره لا يكتفي بالسطح، ولا يكرر ما يسمعه، بل يبحث، يتحقق، يفكك، ويعرض الصورة كاملة بلا نقصان. الإعلام الناضج هو الذي يعكس الحقيقة كما هي، بوضوح واتزان، ويمنح كل طرف حقه في الظهور كما يستحق. إنه إعلام لا ينحاز إلا للعلم، ولا يتبنى إلا ما ثبت، ولا يشيّد مواقفه على الظنون بل على الوقائع المدققة. بهذا الدور الإيجابي يصبح الإعلام قوة تبني، لا أداة تهدم، ويصبح جسرًا للتفاهم بدل أن يكون بابًا للتفرقة.
أما المناهج الدراسية، فهي التي تزرع في الطفل أوّل فكرة عن العالم. فإذا كانت هذه المناهج مبنية على قيم التعايش، وتعليم احترام التنوّع، وتربية الطفل على السؤال قبل الحكم، وعلى المعرفة قبل الظن، فإنها تخرّج جيلًا يرى الإنسان قبل الانتماء، والروح قبل الاسم، وجيلًا يفهم أن الاختلاف ليس خطرًا بل ثراءً، وأن الأعمار لا تُبنى بالتكفير ولا بالإقصاء، بل بالفهم والحوار ومساحات الاحترام المشترك.
إن “القول بغير علم” ليس خطأً لغويًا بقدر ما هو ظلم أخلاقي، ظلم يُمارس بصمت وقد يخرّب أسرة أو يخلق عداءً في المجتمع أو يشوّه صورة إنسان لا ذنب له. وحين نفهم عمق هذه الآية، ندرك أنها ليست مجرد نهيٍ عن الكلام، بل دعوة إلى أن نتحرى الحقيقة ونتحقق، إلى أن نسمع جيدًا، ونرى بوضوح، ونفهم قبل أن نطلق حكمًا قد لا يعود.
إن مجتمعًا يتعلم أن يسأل قبل أن يظن، وأن يتحقق قبل أن يتهم، وأن يضع المعرفة قبل التصوّر، هو مجتمع يقترب أكثر من العدل، وأكثر من السلام، وأكثر من الجوهر الإنساني الذي جاءت الآية لحمايته. فالحقيقة ليست ما يُقال، بل ما نتحقق منه، والحكم ليس ما نسمعه، بل ما نعرفه، والإنسان ليس الصورة التي تُصنع عنه، بل الحقيقة التي يحملها في قلبه وعمله.
هكذا تتحول الآية إلى مبدأ حضاري: لا تحكم حتى تعلم ، ولا تقل حتى تتحقق، ولا تظلم حتى تفهم.
ودمتم سالمين.
في الأسرة، قد يكون أكثر ما يجرح القلب هو الأحكام الجاهزة التي تُطلق بلا فهم. كم زوج يهين زوجته أمام أطفاله ويصفها بالمستهترة، وكم من ابن صادق في عطائه اتُّهم بأنه لا يبالي، فقط لأنه لم يشرح تعبه، وكم من ابنة تحمل همّ الجميع فوق كتفيها وتُدان بأنها مقصرة وعنيدة، بينما هي تتعب في صمت كي لا تثقل على أحد. في بيوت كثيرة، يُظلم الإنسان من أحب الناس إليه، لا بسوء نية، بل بسوء فهم. إن الظنّ السريع، واتهام الآخر بنية لم يقلها، وتفسير تصرفه بعيدًا عن حقيقة قلبه، كلها صور من “القول بلا علم” الذي يترك جرحًا قد يبقى لسنوات. فالكلمة الظالمة داخل البيت لا تسقط في الفراغ، بل تسقط على روح تُحاول بكل ما فيها أن تكون أفضل مما يُظن عنها.
وحين يغادر الإنسان منزله، يجد أن المجتمع يعيد إنتاج هذا الخطأ بشكل أكبر. فهناك من يُحكَم عليه بأنه خطر أو خصم، وهو في الحقيقة مسالم لا يعرف إلا الخير. وهناك فئات كاملة تُحمّل ما لم تفعله، فقط لأنها مختلفة، مثل البهائيين وأمثالهم من اتباع الأديان، التي تعيش بهدوء وتسهم في تقدم ورفاهية المجتمع بسلام، ومع ذلك قد تجد نفسها تحت قيود الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى معرفة. وهناك كتاب ومثقفون وأصحاب رأي لا يحملون إلا الكلمة والفكرة، ومع ذلك يُساء إليهم أو يُضيَّق عليهم بسبب ظنون لا تقوم على أساس. إن أسوأ ما قد يُمارسه المجتمع هو أن “يظن” بدل أن “يعرف”، وأن يحكم على النوايا بدل أن يتحقق من الوقائع، وأن يبني رأيًا من رواية غير دقيقة دون أن يكلّف نفسه عناء التثبّت.
وفي وسط كل هذا، يقف الإعلام باعتباره ميزان الوعي الجمعي، ومرآة المجتمع، وصوت الحقيقة. الإعلام الذي يتقن دوره لا يكتفي بالسطح، ولا يكرر ما يسمعه، بل يبحث، يتحقق، يفكك، ويعرض الصورة كاملة بلا نقصان. الإعلام الناضج هو الذي يعكس الحقيقة كما هي، بوضوح واتزان، ويمنح كل طرف حقه في الظهور كما يستحق. إنه إعلام لا ينحاز إلا للعلم، ولا يتبنى إلا ما ثبت، ولا يشيّد مواقفه على الظنون بل على الوقائع المدققة. بهذا الدور الإيجابي يصبح الإعلام قوة تبني، لا أداة تهدم، ويصبح جسرًا للتفاهم بدل أن يكون بابًا للتفرقة.
أما المناهج الدراسية، فهي التي تزرع في الطفل أوّل فكرة عن العالم. فإذا كانت هذه المناهج مبنية على قيم التعايش، وتعليم احترام التنوّع، وتربية الطفل على السؤال قبل الحكم، وعلى المعرفة قبل الظن، فإنها تخرّج جيلًا يرى الإنسان قبل الانتماء، والروح قبل الاسم، وجيلًا يفهم أن الاختلاف ليس خطرًا بل ثراءً، وأن الأعمار لا تُبنى بالتكفير ولا بالإقصاء، بل بالفهم والحوار ومساحات الاحترام المشترك.
إن “القول بغير علم” ليس خطأً لغويًا بقدر ما هو ظلم أخلاقي، ظلم يُمارس بصمت وقد يخرّب أسرة أو يخلق عداءً في المجتمع أو يشوّه صورة إنسان لا ذنب له. وحين نفهم عمق هذه الآية، ندرك أنها ليست مجرد نهيٍ عن الكلام، بل دعوة إلى أن نتحرى الحقيقة ونتحقق، إلى أن نسمع جيدًا، ونرى بوضوح، ونفهم قبل أن نطلق حكمًا قد لا يعود.
إن مجتمعًا يتعلم أن يسأل قبل أن يظن، وأن يتحقق قبل أن يتهم، وأن يضع المعرفة قبل التصوّر، هو مجتمع يقترب أكثر من العدل، وأكثر من السلام، وأكثر من الجوهر الإنساني الذي جاءت الآية لحمايته. فالحقيقة ليست ما يُقال، بل ما نتحقق منه، والحكم ليس ما نسمعه، بل ما نعرفه، والإنسان ليس الصورة التي تُصنع عنه، بل الحقيقة التي يحملها في قلبه وعمله.
هكذا تتحول الآية إلى مبدأ حضاري: لا تحكم حتى تعلم ، ولا تقل حتى تتحقق، ولا تظلم حتى تفهم.
ودمتم سالمين.



















