> عدن "الأيام" عبدالقادر باراس:

  • الانتقال من مضخات الشفط إلى بدائل مكلفة يزيد معاناة المواطنين
  • غياب دور الدولة وتحويل حصص المواطنين لصالح مشاريع سكنية وتجارية جديدة يفاقم أزمة المياه
  • الماء حق وأولوية قصوى على أجندة أي حكومة تحترم حقوق مواطنيها
> في العام 2019م كتبت تقريرًا في "الأيام" يتناول أزمة تفاقم انقطاع المياه في العاصمة عدن، كان عنوانه "لماذا تستمر أزمة الانقطاعات المتكررة للمياه في عدن؟". تطرقت فيه إلى المعاناة التي يعيشها سكان عدن حيث يواجهون صعوبة كبيرة في حصولهم على المياه والتي لا تصلهم إلا لساعات ضئيلة من الفجر. كنت أظن أن الأزمة ستجد حلولًا مع وعود المشاريع وخطط المعالجة التي سمعنا وقرأنا عنها، لكن شيئا لم يتغير فالمعاناة ما زالت مستمرة منذ ما بعد منتصف التسعينيات ولكنها ساءت أكثر مع غياب إصلاحات حقيقية تعالج المشكلة.

لتتحول أزمة انقطاع المياه في عدن إلى واحدة من أكثر الأزمات الخدمية إلحاحًا واستمرارية منذ سنوات وهي أزمة لم تعد موسمية أو طارئة بل تحولت إلى واقع يومي مرير من المعاناة التي ترهق كاهل المواطنين في ظل غياب حلول جذرية فعالة من الجهات المعنية، حتى أن بعض المناطق تنقطع فيها المياه لأيام أو حتى أسابيع دون أن تواكب هذه الأزمة المزمنة والمستفحلة أي معالجات استراتيجية أو استثمارات حقيقية في قطاع المياه.


ومع استمرار الأزمة يتسلل الإحباط إلى نفوس المواطنين الذين يشعرون بأن غياب الإصلاحات الحقيقية يفاقم معاناتهم وتجعل حصولهم على أبسط الخدمات أمرًا مرهقًا.

وتحولت تلك الأزمة إلى كابوس يومي يقض مضاجع السكان حتى أن كثيرين باتوا يبيتون ليلهم مترقبين لحظة وصول المياه الذي غالبا ما يأتي بعد منتصف الليل. ومع كل محاولة في الحصول على كمية بسيطة من المياه يجد المواطن نفسه مجبرًا على تشغيل مضخته (الدينما) فور وصول المياه وهي عملية تتكرر ليلة بعد أخرى.

ويمتد أثر الأزمة ليصبح وجودُ مضخّاتِ الشفط أمرًا شائعًا في كل منزل، وتجدُ الأسرُ نفسها في حالة ترقّب دائم للحظة وصول المياه، التي لا تصلهم إلا لبضع ساعات في الفجر، مما يضطرّهم للاعتماد على مضخّات الشفط المرتبطة بساعات التشغيل المحددة للكهرباء العمومية، بينما يلجأ آخرون إلى تشغيل مضخاتهم عبر المولدات الكهربائية أو البطاريات والألواح الشمسية لضمان استمرار وصول المياه إليهم.

كان الاعتماد آنذاك شبه كلي على مضخات شفط المياه التي لا تعمل إلا مع توفر التيار الكهربائي العمومي، ما اضطر كثيرا من الأسر إلى السهر حتى عودة التيار الكهربائي لتشغيل المضخات وضخ المياه إلى خزاناتهم. وللتغلب على هذه المعاناة لجأت بعض الأسر إلى شراء مولدات كهربائية (ماطور) لتشغيل المضخات وضمان استمرار تدفق المياه إلى منازلهم.


أما اليوم وبعد مرور سنوات من تفاقم الأزمة وازدياد الحال سوءًا، فقد أصبح العديد من المواطنين يعتمدون في حصولهم على المياه وذلك مع انطفاء الكهرباء العمومي (الحكومي)، بتشغيل بدائل الطاقة عبر مضخاتهم بواسطة المولدات (المواطير) والشواحن التي تعمل بالبطاريات وأنظمة الطاقة الشمسية في محاولة للتأقلم مع استمرار أزمة المياه المزمنة وانقطاع الكهرباء المتكرر.

ورغم ما قدمته بعض المنظمات بتوفير مضخات جديدة للمؤسسة إلا أنه بقي الحال دون تحسن واضح لكن يبدو الإقرار بواقع هذه الأزمة على شماعة الإمكانات التي تدعي مؤسسة المياه إلى افتقادها ليس مبررًا كافيًا ، فالمواطن يحمل سبب استمرار الأزمة إلى غياب دور الدولة ويحمل مؤسسة المياه جزءًا كبيرًا من المسؤولية بتحويل جزء من حصص المياه المخصصة لإحيائهم السكنية لصالح مشاريع سكنية تجارية جديدة ما انعكس سلبا على إمدادات المياه إلى منازلهم والذين كانوا يعتمدون بالكامل على شبكة المياه الحكومية.

بينما المؤسسة عادة تبريراتها تعود إلى أسباب تزايد أعداد السكان ونقص في عدد المضخات في حقول الآبار، إضافة إلى حدوث أعطال متكررة وكذا سلوكيات بعض المستهلكين الذين يركبون مضخات شفط مباشرة، حيث هناك من يمتلك آبارًا خاصة وهذا يضر بالمصلحة العامة. كما هناك من يقوم بتركيب ركائز على الخطوط الرئيسية للمياه لسحبها وتعبئتها في خزانات.

وتكشف المعطيات الفنية أن استمرار الأزمة لا يرتبط بغياب الإمكانات فحسب، بل بجملة من الأسباب المركبة، فمعظم شبكات المياه في عدن متهالكة، الأمر الذي ينعكس على ضعف كفاءة الضخ، ويؤدي انقطاع الكهرباء المحرك الرئيس لعمليات الضخ إلى توقف الخدمة كليًا، إضافة إلى ذلك غياب التخطيط الاستراتيجي لدى المؤسسة إذ لا توجد خطط واضحة تستوعب التمدد العمراني المتسارع أو النمو السكاني، وبقيت المعالجات الترقيعية المؤقتة بدلًا من الحلول المستدامة.

ولمواجهة هذه التحديات، يصبح لزامًا على الحكومة والجهات المختصة تبنّي حلول واقعية ودائمة، تشمل تحديث الشبكات المتقادمة، وتنفيذ مشاريع إعادة تأهيل شاملة، والاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية في محطات الضخ للتقليل من تأثير انقطاعات الكهرباء، إضافة إلى إنشاء محطات تحلية صغيرة في المديريات الساحلية، وتعزيز الشراكة مع المنظمات الدولية لتمويل مشاريع تنموية طويلة الأمد بدلًا من التدخلات الطارئة. فحقّ المواطن في الحصول على المياه لا يجب أن يبقى رهينة لأي عجز أو تجاهل أو انطفاءات أو صعوبات، أو لأي مبررات أخرى. بل ينبغي أن يكون هذا الحق أولوية قصوى ضمن أجندة أي حكومة تحترم أبسط حقوق مواطنيها.