> مها عوض:
- الإرث المتجدد في العنف ضد المرأة
أقر الإسلام للمرأة مكانتها، ورفع منزلتها، واعترف بحقوقها وإنسانيتها، ودعا إلى إكرامها على نحوٍ مغاير لصورتها في العصور السابقة التي اتّسمت بتبعية المرأة وسيطرة الرجل عليها، ومنحه الحق في التصرف فيها وفي ممتلكاتها، بل وهدر حياتها منذ ولادتها. وقد أدرك الإسلام هذه النظرة عند إرساء قواعد الحقوق الإنسانية والواجبات المبنية على العدالة والمساواة والإنصاف بين الجنسين.
ومع ذلك، وعلى مر التاريخ، ظهر التمييز بين الجنسين نتيجة ثقافة تقليدية تُشكّل الذكورية الأبوية المتجذّرة في الأعراف الاجتماعية والصور النمطية، والتي تمنح الرجل قيمة وسلطة أعلى من المرأة، وتُعمّق مكانتها الدونية وتبعيتها في سياق السلطة الأبوية.
ورغم التحولات التاريخية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات، فإن النظرة إلى المرأة تظل متأرجحة بين من يتمسّك بنظام السلطة الأبوية، ومن يسعى إلى الاعتراف بحقوق المرأة وفق رؤية ترتبط بالمصلحة أو التطور الاجتماعي. وتعيش المرأة في بيئة اجتماعية تتراوح بين التقييد والحضور المشروط، في ظل فهمٍ سائد ما زال – للأسف – متجذّرًا في عقول كثير من النساء اللواتي لا يدركن أن العنف انتهاك لإنسانيتهن، بل ويقاومن أحيانًا الجهود المبذولة لحمايتهن.
ورغم كل ذلك، فإن عمليات التطوير الإنساني ووجود هامش ديمقراطي فتحا الباب لتعديل هذا الوضع غير المتكافئ، من خلال مؤسسات دستورية وتشريعية وقضائية تمنح المرأة حقوقًا تُعد أفضل مقارنةً بالماضي. إلا أن الموروث التقليدي ما يزال يُنتج واقعًا اجتماعيًا قائمًا على التمييز بين رجال ذوي سلطة وقوة، ونساء في وضع أقل قيمة ومكانة، ومحرومات من الحماية والحقوق.
ويستمر هذا الواقع التمييزي بمنح الرجل سلطة شبه مطلقة للتحكم في حياة النساء، عبر تفسيرات دينية أو أعراف أو قوانين تمنحه امتيازات تفوق ما يُمنح للمرأة، وتبرر ممارسة العنف ضدها.
وحتى وقت قريب، ظلت إثارة موضوع العنف ضد المرأة مسألة حسّاسة مرتبطة بعلاقة الرجل بالمرأة داخل المؤسسات التي تفرض سلطتها، كما أن التناول المجتمعي لهذا الموضوع يتم بحذر شديد لتجنب الاصطدام بالسلطة الذكورية، مما يعزز التطبيع مع العنف، ويثبط الإبلاغ عنه، ويُقوّض الثقة بالمؤسسات ويعيق وصول الناجيات إلى العدالة. كما تُسهم الذكورية الأبوية في تكوين النظم القانونية وممارساتها، مما يعزز الإفلات من العقاب وعدم المساواة في الوصول للحقوق.
اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على اندلاع النزاع، تواجه النساء والفتيات عنفًا متزايدًا قائمًا على تفوق الرجل في عسكرة الحياة، واستخدام النساء سلاحًا للحرب، بشكل يفوق المستويات المعتادة من العنف. فقد وُضعت المرأة في بيئة غير آمنة تفاقمت فيها المخاطر والمسؤوليات، في مجتمع تُقيّد فيه المعايير الاجتماعية الصارمة حركة المرأة وتنقلاتها، وتستغلها أطراف النزاع لقمع أي معارضة. واستجاب كثير من الرجال لهذه القيود من منطلق الشعور بالتهديد نتيجة تغيّر الأدوار التقليدية داخل الأسرة.
كما تُجبر السياسات الحكومية القمعية المرأة على العيش في أوضاع غير آمنة، نتيجة تفاقم التوترات الاجتماعية وزيادة الاستغلال وغياب الحلول المستدامة. وستظل الروابط التاريخية للعنف ضد المرأة جزءًا أساسيًا من المشهد في المستقبل، سواء اعترف صناع القرار بذلك أم لا.
- التمييز والعنف ضد المرأة
- في العنف ضد المرأة نحدد أين نقف من الإنسانية
إن القضاء على التمييز والعنف ضد المرأة ليس شعارات تُرفع، ولا أفكارًا تُروّج، بل قضية وطنية تتطلب طرحًا جديًا وعمليًا، فالمرأة جزء لا يتجزأ من هذا الواقع.
وإذا أردنا معالجة جذور العنف، فلا بد من دراسة الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكشف الأسباب الحقيقية وراءه، وإرسال رسالة واحدة واضحة:
أن التغيير يبدأ بتعديل الأعراف والممارسات الاجتماعية، ودعم العدالة بين الجنسين، وفتح مسارات نحو الأمان والكرامة والعدالة للنساء.
إن العنف ضد المرأة ليس حدثًا عابرًا، ولا ظاهرة معزولة، بل هو اختبار حقيقي لأخلاق المجتمع وإنسانيته. فحين تُترك المرأة وحدها في مواجهة الألم، يصبح الصمت شريكًا للجريمة، ويصبح التبرير غطاءً للظلم.
ولكي نغيّر هذا الواقع، علينا أن نكسر دائرة الخوف والصمت، وأن نعيد بناء ثقافة تحترم الإنسان قبل أن تحميه. فالعنف لا يُهزم بالشعارات، بل بالوعي والعدالة والقوانين التي لا تساوم، وبمجتمع يرى المرأة جزءًا من ذاته لا طرفًا يمكن التضحية به.
إن مستقبل النساء هو مستقبلنا جميعًا؛ وحين نمنح المرأة أمانًا وكرامة، نمنح الوطن ذاته فرصة للنجاة والنهضة.


















