> عبدالقادر باراس:

نظمت نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين بالعاصمة عدن أمس، فعالية احتفالية فكرية بمناسبة الذكرى الـ 58 لعيد الاستقلال الوطني المجيد الثلاثين من نوفمبر تحت شعار "التجربة الوطنية (شهادات ووقائع) وتحديات الحاضر والمستقبل"، أدار الفعالية رئيس تنظيمية نقابة الصحفيين الجنوبيين الأستاذ نجيب مقبل.

وفي بداية الفعالية تحدثت نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين عيدروس باحشوان، بالقول "إن الثلاثين من نوفمبر سيظل يومًا مجيدًا في تاريخ الجنوب، رغم ما يثار حوله من جدل وما رافق تلك المرحلة من تعثرات".


وأوضح باحشوان أنه، ومنذ بداية عمله الصحفي، سعى إلى تتبع ما وراء هذا الحدث التاريخي الكبير"، مشيرًا إلى لقائه بالمفكر في الجبهة القومية الأستاذ عبدالله أحمد الخامري، بعد مشاهدته وثيقة تحمل توقيعه ضمن وفد الجبهة القومية إلى مفاوضات جنيف.

وقال إنه زار الخامري في مقر عمله حين كان يرأس مجلس السلم والتضامن عقب تخرجه عام 1982، وناقشه في ملف الاستقلال وملف علاقات جمهورية اليمن الديمقراطية آنذاك، لافتًا إلى أن الخامري تجنب الخوض في ملف الاستقلال واكتفى بالحديث عن العلاقات الخارجية.

وأضاف أنه التقى أيضًا أحمد علي مسعد، سكرتير وفد الجبهة القومية، في منزله، بهدف الاستماع إلى تفاصيل ما دار في يوم المفاوضات، إلا أن معظم من عاصروا تلك المرحلة تحاشوا الحديث عنها.. مشيرًا إلى أن كثيرًا من الوثائق المتعلقة بمفاوضات جنيف لا تزال غير منشورة، مؤكدًا أن النقابة سعت سابقًا للقاء أحد المشاركين، وهو الأستاذ أحمد عبدالعزيز، الذي يُعد آخر من تبقى من أعضاء الوفد المفاوض.

وشدد باحشوان، على أن إحياء ذكرى الاستقلال ليس مجرد احتفال، بل استلهام للدروس والعبر، وأن دور الصحفيين والإعلاميين سيستمر في تسليط الضوء على هذه المحطة التاريخية، بما في ذلك ما يُثار حول تخلي وفد الجبهة القومية عن التعويضات البريطانية، مشيرًا إلى أن هذه القضايا تحتاج إلى تحقيق وتوضيح للرأي العام، كما هو الحال في تجارب الشعوب الأخرى.

وختم كلمته مؤكدًا أن الاستقلال لم يأت بشكل عابر، بل تحقق بتضحيات قدمتها الجبهة القومية وجبهة التحرير وكل القوى الوطنية، وأن من حق الشعب معرفة جميع تفاصيل تلك المفاوضات لإعطاء هذا اليوم مكانته المستحقة في الذاكرة الوطنية.


قدمت الأستاذة رضية شمشير، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، مداخلة خلال الفعالية استعرضت فيها ورقة بعنوان "التجربة الوطنية.. شهادات ووقائع وتحديات الحاضر ورؤى المستقبل".

أكدت في ورقتها أن القضية الجنوبية تتصدر مسار استعادة الأمن وتحقيق التوازن السياسي في اليمن شمالًا وجنوبًا وعلى المستوى الإقليمي، مشيرة إلى أن أي تقدم سياسي لن يتحقق دون معالجة عادلة للقضية الجنوبية. وقالت إن الصراع القائم يعكس تناقضًا بين ثقافتين في إدارة الدولة ثقافة النظام والقانون في الجنوب وثقافة القوة والنفوذ القبلي في الشمال.

الأستاذة رضية شمشير
الأستاذة رضية شمشير

وتطرقت شمشير إلى مراحل نضالات الجنوب إبان الاستعمار البريطاني كإضرابات مارس في عدن باعتبارها محطة بارزة في انطلاقة المؤتمر العمالي وصدور دستور النقابات عام 1960، وما شهدته القوى السياسية في الجنوب من إقصاء وتهميش خلال مراحل مختلفة، مؤكدة أن ذلك يستدعي رد الاعتبار للشخصيات والهيئات السياسية والصحفية لتفادي تكرار الأخطاء التاريخية.

وتساءلت في مداخلتها حول مدى إسهام الصحافة الجنوبية في إيقاظ وعي المواطنين، مشيرة إلى أن صحف الخمسينيات والستينيات مثل "الأيام" و"فتاة الجزيرة" و "العامل" و "اليقظة" و"النهضة" و "البعث" و "المستقبل" لعبت دورًا بارزًا في تعزيز الوعي الوطني رغم ما تعرضت له لاحقًا من اتهامات. وأشادت أيضًا بدور صحيفة "14 أكتوبر" التي تصدرت المشهد بنقل الأحداث وممارسة النقد، وكذلك صحيفة "الثوري" كصوت سياسي للحزب الاشتراكي.

كما اعتبرت أن صحيفة "الأيام" منذ تأسيسها على يد الراحل محمد علي باشراحيل وامتدادًا لنهج الراحل هشام باشراحيل، وحتى اليوم بقيادة رئيس التحرير تمام باشراحيل ونائبه باشراحيل هشام باشراحيل، لا تزال تحمل رسالتها الإعلامية القائمة على النقد الموضوعي واحترام الرأي الآخر.


وأشارت شمشير إلى أن المنشورات السرية في مرحلة النضال المسلح كان لها دور مؤثر، مؤكدة أن ثورة 14 أكتوبر جاءت لترسيخ قيم الحرية والكرامة والأمن وأن للمرأة الجنوبية إسهامًا أساسيًا في مختلف مراحل النضال والعمل الوطني.

وشددت على ضرورة استخلاص الدروس من المراحل الصعبة التي مرّ بها الجنوب، ومنها أحداث 1986م، مؤكدة أن الحوار هو الطريق الأمثل لبناء توافقات وطنية، والاستفادة من تجارب دولية كجنوب إفريقيا.

واختتمت شمشير مداخلتها بالتأكيد على أن الهدف من طرح هذه القضايا هو تجاوز الأحقاد والاحتكام للعقل والمنطق بعيدًا عن السلاح وإلغاء الآخر، معتبرة أن الإعلاميين والصحفيين أكثر الفئات عرضة للمواقف التي تتطلب حكمة ومسؤولية.

قدم السفير قاسم عسكر في الفعالية مداخلته، أشاد في البدء بما استعرضته الأستاذة رضية شمشير، حول المراحل التاريخية التي مر بها الجنوب، مؤكدا أن الإرهاصات التي تسبق أي حدث كبير تشكل مقدمة لصناعة التحولات الكبرى. موضحًا أن شعب الجنوب شعب حيوي وعظيم استطاع عبر مختلف المراحل والمنعطفات تجاوز الأحداث الصعبة والنهوض مجددا، لافتًا إلى أن العديد من المؤرخين وصفوه بصانع الأحداث.

وأشار إلى أن ثورة 14 أكتوبر لم تأت من فراغ بل سبقتها انتفاضات متفرقة في مناطق الجنوب. واستعاد واقعة من طفولته حين رافق لجنة تقصي حقائق مصرية إلى ردفان للتأكد مما إذا كانت الأحداث ثورة أم مجرد انتفاضة قبلية، قبل أن تُثبَت بأنها ثورة حقيقية.

السفير قاسم عسكر
السفير قاسم عسكر

وتطرق السفير إلى بعض المصطلحات المتداولة في الخطاب الجنوبي، مثل "الاستقلال الأول" و"الاستقلال الثاني" معتبرا أنها مصطلحات خطيرة وتحتاج إلى إعادة ضبط. موضحا أنه "لا وجود لاستقلال ثان في تجارب 194 دولة حول العالم. محذرا من أن هذه التوصيفات قد تضعف مفهوم الاستقلال الحقيقي، وضرب مثالًا بتجربة الكويت التي وصفت خروج القوات العراقية بـ "تحرير الكويت" وليس استقلالها من الاحتلال.

وأكد عسكر أن ثورة 14 أكتوبر حققت نجاحات في مجالات متعددة وأن القيم الوطنية التي حملها رواد الثورة ينبغي الحفاظ عليها.

ودعا السفير في ختام كلمته نقابة الصحفيين والإعلاميين إلى تنظيم ندوة متخصصة لمناقشة آليات ضبط وتداول المصطلحات في الخطاب العام.

كما قدّم المؤرخ د. محمود السالمي، مداخلة استعرض فيها أبرز الدروس المستفادة من التجارب الوطنية، مؤكدًا أن الإرادة الشعبية قادرة على إحداث التغيير عندما تتوفر لها قيادة منظمة وصلبة، إذ لا يمكن لأي فعل شعبي أن يتحول إلى قوة مؤثرة دون إدارة محنكة ومنضبطة.

وأشار السالمي إلى أن الهوية الوطنية تُبنى بالسلوك والممارسة وليس بالشعارات، موضحاً أن الجبهة القومية نجحت منذ بداياتها في تجاوز الهويات القبلية ولم تعتمد المحاصصة المناطقية، وهو ما انعكس في فترة قيادة قحطان الشعبي وسالمين قبل أن تعود المناطقية للظهور في منتصف الثمانينيات. وقال إن تعزيز الهوية الوطنية اليوم يتطلب سلوكًا عمليًا على الأرض لا مجرد الخطب.

وأضاف أن نجاح أي تنظيم أو جبهة أو حزب مرتبط بامتلاكه رؤية عملية وواقعية، لافتًا إلى أن غياب العمل المؤسسي وعدم احترام اللوائح والقوانين يقود غالبًا إلى صراعات داخلية على السلطة، وهو ما عانت منه الجبهة القومية التي دخلت في سلسلة من الصراعات المتتالية منذ بداياتها.

وأوضح السالمي أن اتساع الجبهة الوطنية يشكل عاملًا أساسيًا لحماية الاستقلال، مشيرًا إلى أن من أخطاء الجبهة القومية سعيها للانفراد بالسلطة وإقصاء القوى الأخرى، مؤكدًا أن الجبهة العريضة تقلل الخصوم وتزيد من حجم المؤيدين.

وعلى الصعيد العسكري، أكد أن تجربة الاستقلال أبرزت أهمية تحقيق التوازن بين العمل العسكري والسياسي؛ فبينما اعتمدت جبهة التحرير على الجانب السياسي فقط، عملت الجبهة القومية على المسارين الدبلوماسي والميداني، وكان للميدان الدور الأكبر في فرض حضوره.

وفي الجانب الاقتصادي والإداري، شدد على أن الانتقال من الثورة إلى الدولة يتطلب رؤية اقتصادية وإدارية واضحة، ومؤسسات مستقرة، ونتائج عملية تعكس جدوى التجربة.

وتطرق السالمي في ختام مداخلته إلى العلاقات الخارجية، مؤكدًا أن أي ثورة تحتاج إلى عمق إقليمي وجوار داعم، لافتًا إلى أن اعتماد الجبهة القومية على إطار حركة القوميين العرب أفقدها محيطها الإقليمي. وقال إن التحالفات الخارجية ضرورية، لكن يجب ألا تتحول إلى ارتهان، مستشهداً بتجارب مثل اتحاد الجنوب العربي وجبهة التحرير التي عوّلت على الخارج وكانت نتائجها معروفة.