لم تعد الجدران الأربعة قادرة على حماية خصوصية الأسرة اليمنية كما كانت من قبل. هناك بيتٌ ثانٍ يسكن معنا الآن، بيت رقميّ واسع بابه شاشة مضيئة، يدخل عبرها المؤثرون والإعلانات والأفكار والاتجاهات إلى تفاصيل يومياتنا دون استئذان. لم يعد أمام كل فرد سوى ضغطة إصبع ليدخل مدينة افتراضية هائلة، مدينة لا تعرف النوم، ولا تخضع لقانون المرور الأخلاقي، ولا تحتوي على إشارة توقف واحدة أمام سيل الشائعات والتنمر والتقليد الأعمى. وفي مدينة بهذا الحجم، لا يكفي أن نحمل هواتف؛ يجب أن نحمل قيمًا وأخلاقًا.

كان الآباء يقولون يومًا لأولادهم: "إذا خرجت من البيت، تذكر أنك تمثل أسرتك”، واليوم أصبح لزامًا أن نضيف: "وإذا خرجت إلى السوشيال، تذكر أنك تمثل نفسك ووطنك وقيمك". فالصورة موقف، والمنشور بصمة، والكلمة سلاح قد يمنح حياة أو يجرح قلبًا.

وسط هذا التحول، أصبحت الأسرة اليمنية تعيش في بيوت داخل بيوت؛ كل فرد يجلس في زاويته، غارقًا في شاشة تصنع له عالمًا موازيًا: ابنة تتلقى معايير جمالها من أسماء لامعة في عالم الموضة، وأم يقلقها تسجيل صوتي عابر، وابن تُعيد تشكيل آرائه فيديوهات قصيرة أسرع من وقت تفكير العقل. لقد أصبح العالم الافتراضي ضيفًا يشاركنا الصالة وغرفة الجلوس وحتى غرف النوم. والسؤال الجوهري لم يعد: هل يؤثر السوشيال على الأسرة؟ بل: من يربّي من؟ البيت الحقيقي يربّي، أم البيت الرقمي هو الذي يفرض قيمه؟

ورغم هذا المشهد المتشظي، ما زالت بيوتنا تمتلك الحكمة اليمانية القادرة على إعادة الروح من جديد، وعادة صينية الشاي أو البن. تلك اللفتة البسيطة التي تدخل الصالة كضوء دافئ. فجأة تتوقف الأصوات الإلكترونية، تُطوى الشاشات، وترتفع الوجوه. يجتمع الجميع حول أكوابها اللذيذة وكأننا نعود إلى مركزنا الأول، إلى الدفء الذي يعيد ترتيب نبض البيت. الشاي أو البن هنا ليس مشروبًا، إنه جسر يربط البيت الحقيقي بالقلوب التي كادت تنفصل داخل البيت الرقمي. إنه إعلان صغير يقول: "نحن ما زلنا عائلة". ومع كل رشفة، يشعر الأبناء بأن اللذة ليست في إشعارٍ يصل من هاتف، بل في ضحكة حقيقية تمتزج بنكهة الهيل ورائحة الودّ.

وفي وسط هذا المزيج بين البيت الواقعي والافتراضي، يقف الإعلام اليمني أمام دوره الأخطر. الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح مرآة تعكس الصورة التي نريد لأطفالنا أن يروا أنفسهم فيها. مرآة قادرة على إنارة العقول بدل تعتيمها، وتقديم المعرفة بدل الصراخ، وإعطاء الأطفال والشباب أدوات التفكير بدلاً من تركهم فرائس للاستهلاك السريع والتضليل. إن الإعلام المسؤول يستطيع أن يصنع محتوى يمنح الطفل قيمة قبل المتعة، ويعطي الشاب ثقته بنفسه قبل إعجابات الآخرين، ويساعد الأسرة على فهم تربيتها الرقمية الجديدة بوضوح وهدوء.

إن السوشيال ميديا ليست عدوًا، لكنها ليست مربيًا أيضًا. إنها مدينة نعيش فيها يوميًا، لكننا نستطيع أن نحدد طريقة سيرنا فيها. الحوار داخل الأسرة يمكن أن يسبق الحظر، والقدوة يمكن أن تسبق النصيحة، وتنظيم الوقت يمكن أن يسبق الانهيار أمام الشاشات. والأسرة حين تخلق لحظات تجمع دافئة ، فإنها تؤسس لحياة رقمية أكثر اتزانًا واحترامًا.

في النهاية، يبقى السؤال الأكثر عمقًا: من يقود من؟ هل نحن من نصنع وجودنا في العالم الرقمي، أم أن العالم الرقمي هو من يصنع بيوتنا؟ الحقيقة أن الأسرة أمة صغيرة، والإعلام مرآة كبيرة؛ فإذا تكاملت الأمة مع مرآتها، أصبح البيت الحقيقي والبيت الرقمي مكانين آمنين، مليئين بالوعي والنضج والإنسانية. وفي مدينة السوشيال المترامية، يظل القانون الأخلاقي الأبسط هو الأصدق: ادخلْ بأخلاقك .. تخرجْ بكرامتك.