المنطقة العسكرية الأولى… ذلك الاسم الذي ظل لسنوات طويلة رمزًا لسلطة مفروضة على وادي حضرموت، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى «منطقة من ورق»؛ بناء هشّ، تُمسكه المصالح، وتخترقه الولاءات المتشابكة، وتتحكم في مفاصله حشوة حوثية ـ إخوانية متداخلة، لا يجمعها مشروع وطني ولا هدف جامع، بقدر ما يجمعها الخوف من انكشاف حقيقتها أمام أبناء الوادي والصحراء.

فعلى مدى سنوات، ظلّت المنطقة الأولى تتمدد ظاهريًا بسلطات وأختام ونفوذ، بينما كانت تتقلص فعليًا في قدرتها على حماية المواطن، أو حفظ الأمن، أو مواجهة قوى الفوضى والتهريب والإرهاب. كانت أوراقها تتطاير كلما لامست شمس الحقيقة، وكلما ارتفع صوت حضرمي يطالب بحقّه في إدارة أرضه، وكلما اقتربت ساعة التحول السياسي في الجنوب. لقد بُنيت تلك المنطقة على وهم السيطرة، وليس على قواعد القانون أو ركائز الدولة، فكان طبيعيًا أن تتساقط بمجرد أن تبدّل اتجاه الريح.

الأوراق التي سقطت لم تكن مجرد رموز عسكرية، بل كانت سقوطًا لمنظومة كاملة بنت نفوذها على تغييب الإرادة المحلية، وعلى إبقاء وادي حضرموت ساحة مفتوحة لتبادل الأدوار بين القوى التي ترى في استمرار الفوضى رصيدًا للاستثمار السياسي. لكن أبناء الوادي لم يعودوا ذلك الجمهور الصامت؛ تغيّرت المعادلة، ونضجت الوعي، وارتفع الصوت الجنوبي والحضرمي على حد سواء، معلنين أن زمن السيطرة من خلف المتاريس الورقية قد انتهى.

إن النور الذي يسطع من داخل الوادي والصحراء اليوم ليس مجرد تحوّل سياسي، بل هو استعادة للحق، وعودة لروح الأرض، وإرادة شعب يرفض أن تُدار حدوده وأمنه ومصيره من غرف مظلمة أو من مشاريع دخيلة. لقد أثبتت حضرموت أن أية منظومة لا تنسجم مع إرادة الناس ولا تعكس تطلعاتهم ستبقى مجرد واجهة ضعيفة، مهما طُليت بالأختام والمسميات العسكرية.

المرحلة القادمة تتطلب انتقالًا واضحًا نحو إدارة حضرمية ـ جنوبية خالصة، تُنهي عقودًا من العبث، وتعيد صياغة الأمن بما ينسجم مع تطلعات الناس، وبما يحفظ للوادي والصحراء كرامتهما ومكانتهما ودورهما الاستراتيجي. فالمنطقة العسكرية الأولى سقطت أوراقها، وما بقي منها ليس سوى صوت خافت من الماضي، بينما يمضي الوادي نحو مستقبل أكثر وضوحًا وصلابة، تُرسم معالمه بعيدًا عن الحشوات الدخيلة التي لم تُنتج سوى الضعف والفراغ.

وهكذا… تسقط «المنطقة من ورق»، ويبقى الجنوب وحضرموت بثبات الأرض وبصيرة الإنسان.