شهدت مدينة المكلا لقاءً موسعًا جمع محافظ حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي بالوفد السعودي برئاسة اللواء الدكتور محمد بن عبيد القحطاني، وبمشاركة واسعة من الوجهاء والأعيان والمشايخ والقيادات السياسية والاجتماعية والعسكرية. لقاءٌ جاء امتدادًا لجهود حكومة خادم الحرمين الشريفين وقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة في تهدئة الأوضاع، وتثبيت الأمن، وتفكيك احتمالات الصدام داخل حضرموت في لحظة شديدة الحساسية.

ورحّب المحافظ بوفد المملكة، مؤكدًا تقدير حضرموت للدور السعودي المحوري في دعم الاستقرار ومساندة أبناء المحافظة في مختلف المراحل. فيما شدّد اللواء القحطاني على موقف المملكة الرافض لأي عمليات عسكرية داخل حضرموت، وضرورة إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، وعودة القوات القادمة من خارج المحافظة إلى معسكراتها، وتسليم المواقع لقوات درع الوطن، بما يكفل ضبط الإيقاع الأمني وتمكين المؤسسات من أداء مهامها دون تعطيل.

هذه المقاربة الهادئة التي تقودها المملكة، وتثمنها السلطة المحلية، ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل مسار استراتيجي يمنع الانزلاق نحو صدام يمكن أن يضر حضرموت أكثر مما ينفعها. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي تمثله القوات المسلحة الجنوبية كضمانة واقعية للأمن، ودرع واقٍ يحمي الجغرافيا والإنسان، ويمنع العبث تحت أي غطاء.

لكن وسط كل هذه المعادلات، تبرز مسألة شديدة الأهمية: خصوصية حضرموت وهويتها التاريخية والثقافية لا تعني انعزالها عن الجنوب، بل تعزّز مكانتها فيه. فحضرموت ليست استثناءً منفصلًا، ولا جزرًا معزولة عن محيطها؛ هي قلب حضاري وروحي واقتصادي للجنوب كله. تمتاز بنهج وسطي، ونسيج متماسك، ومدارس علمية تمتد من تريم إلى المكلا، وهذه الخصوصية هي أحد مصادر قوة الجنوب، لا سببًا لانفصاله.

الحضارم بطبيعتهم أهل حكمة واتزان، وهذه الوسطية تمكّن حضرموت من أن تكون رمانة الميزان في المشهد الجنوبي، لا ساحة تنازع أو استقطاب. وتجد هويتها عمقها الطبيعي داخل الجنوب، وليس خارجه، وتزدهر داخل الإطار الجمعي، بينما تتراجع إذا عُزلت عن محيطها. يمكن قراءة المشهد الراهن من زاوية صلح الحديبية—ليس من باب تشبيه الأشخاص بالأشخاص، بل من باب استلهام منطق السياسة في لحظات التعقيد. فقد بدا صلح الحديبية للكثيرين تنازلًا، لكنه كان في جوهره خطوة استراتيجية فتحت الطريق لنتائج أكبر ظهرت بعد سنوات قليلة. كانت هدنة مؤقتة تحوّلت إلى نقطة تحول مفصلية.

وما يحدث اليوم في حضرموت يحمل منطقًا مشابهًا: تهدئةٌ مرحلية قد تبدو أقل من سقف الطموحات، لكنها تمنع الاستنزاف، وتحمي المجتمع، وتخلق مساحة لإعادة ترتيب الأوراق. الجهد السعودي بقيادة اللواء القحطاني يشكل الضمان السياسي، فيما تشكل القوات المسلحة الجنوبية الضمان الأمني، وحضرموت نفسها—بهويتها وخصوصيتها — تشكل الضمان الاجتماعي. هذه العناصر الثلاثة إذا اجتمعت قادرة على صنع منعطف جديد سيظهر أثره على المدى المتوسط والمستقبلي.

إن ما يجري اليوم ليس نهاية الطريق، بل نقطة بداية لمسار أكثر نضجًا، يحفظ لحضرموت سلمها، ويعيد لها مركزها داخل الجنوب، ويجعل من استقرارها قاعدة لإعادة بناء الثقة، وترتيب النفوذ، وتمكين المؤسسات، وصون النسيج الاجتماعي قبل أي مكسب سياسي آخر.

حضرموت اليوم تقف أمام لحظة تشبه حكمة الحديبية: هدنة تحمل في داخلها فتحًا مستقبليًا إذا أحسن الجميع إدارتها.



وستبقى حضرموت خصوصية وهوية…

وستبقى أيضًا جزءًا أصيلًا من الجنوب، تتفاعل معه وتؤثر فيه وتبني معه مستقبلًا يليق بمكانتها وتاريخها.