> فردوس العلمي:

  • التوسع العمراني غير المنظم يهدد بتفاقم كوارث السيول في عدن
  • العلس:التغيرات المناخية تهديد مباشر لمدينة عدن التاريخي
  • باوزير:التعدي على مجاري السيول يسهم في تفاقم المخاطر
> مع تزايد موجات التغير المناخي وتكرار مخاطر السيول في مدينة عدن خلال الأعوام الأخيرة، يبرز ملف البناء العشوائي على مجاري الأودية والمرتفعات كأحد أبرز التحديات التي تهدد سلامة السكان والبنية التحتية، وتنعكس آثارها كذلك على البيئة البحرية والمواقع التراثية في المدينة. وفي ظل هذا الواقع، تتجدد الأسئلة حول حجم الخسائر المحتملة إذا استمرت التعديات العمرانية دون ضبط، وما الحلول التي يمكن اعتمادها للتخفيف من آثار الكوارث المناخية.

ووفقًا لدراسة علمية نفّذتها هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية بعنوان "المنهجية الهيدرولوجي لتقييم مخاطر السيول وتخفيف حدتها باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية"، أكدت النتائج أن عدن تواجه خطرًا متزايدًا للسيول بسبب التوسع العمراني غير المنظم، خصوصًا في المناطق الجبلية ومجاري الأودية.

وأوضحت الدراسة ضرورة تفعيل دور الدولة في إدارة الكوارث بصورة استباقية، من خلال تنفيذ إجراءات وقائية قبل الكارثة وأثنائها وبعدها، للحد من الخسائر البشرية والمادية. كما شددت على أهمية اعتماد نظم صرف فعّالة، وتفعيل الإنذار المبكر، وضبط عمليات البناء في المناطق الحساسة بيئيًا.


ولا يقتصر تأثير البناء العشوائي على المخاطر البيئية فقط، بل يمتد أيضًا ليطال المعالم التاريخية والمواقع الأثرية، التي أصبحت أكثر هشاشة أمام تغيرات المناخ. فالتعدّي العمراني على محيط هذه المواقع، وتشويه بيئتها الأصلية، وتغيير مسارات المياه حولها، كلها عوامل تزيد من احتمالية تعرضها للتآكل والانهيار وفقدان قيمتها التاريخية.

وتظهر الوقائع الميدانية حجم الكارثة التي يتسبب بها البناء العشوائي، سواء على حياة السكان أو على الإرث العمراني والتاريخي لعدن الذي يتعرض اليوم لتهديد مزدوج من المناخ ومن الإنسان.

وفي ظل تسارع التغيرات المناخية وما تسببه من ارتفاع في درجات الحرارة، وتزايد قوة الأمطار والسيول، تتفاقم خطورة البناء العشوائي الذي يتمدد بلا تخطيط أو رقابة. فهذا النوع من البناء لا يهدد البيئة والسكان فحسب، بل يطال أيضًا المعالم التاريخية والمواقع الأثرية التي تقف شاهدة على هوية المدينة وذاكرتها.

في هذا السياق، تحدث خبراء في البيئة والتراث لصحيفة "الأيام"، مستعرضين أبرز المخاطر القائمة ورؤيتهم للحلول المستدامة.
  • البناء العشوائي وتأثيره على مسارات السيول
باوزير
باوزير
قال د. جمال باوزير، خبير البيئة والتنمية المستدامة والباحث في مركز علوم البحار، إن البناء العشوائي على مجاري السيول يسهم بشكل مباشر وسلبي في تفاقم مخاطر جريان مياه الأمطار في المدن الساحلية مثل عدن، حيث يؤدي إلى عرقلة مسارات الجريان الطبيعي للمياه وتغيير اتجاهها نحو المناطق السكنية والخدمية، مما يتسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وأوضح أن البناء العشوائي على الجبال يعيق مسارات السيول النازلة من المرتفعات، مؤديًا إلى سد أو تضييق الممرات الطبيعية، وزيادة قوة اندفاع المياه نتيجة اصطدامها بالمباني والمنشآت، ما يزيد احتمالات الانزلاقات الصخرية والانهيارات، خصوصًا خلال هطول الأمطار الغزيرة.

وأضاف: "شهدت عدن خلال السنوات الماضية كوارث مؤلمة، كان من نتائجها خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات".


وعن تأثير تغيير مسار السيول على البيئة البحرية، أوضح باوزير أن تدفق المياه إلى البحر يزيد من عكارة المياه وحمل الرواسب، ما يضر بالشعاب المرجانية والحشائش البحرية ويخل بالتوازن البيئي. كما تحمل السيول ملوثات كيميائية وعضوية ونفايات صلبة، بينها البلاستيك، مما يزيد التأثيرات السلبية على النظام البحري.
  • حلول مطروحة للحد من المخاطر
وأشار باوزير إلى مجموعة من الحلول المستدامة، أبرزها إعادة تأهيل مجاري السيول والوديان عبر إزالة الردميات والتعديات، واستعادة الغطاء النباتي لزيادة التماسك وتقليل الانجراف. وقال إنه ضمن لجنة فنية رفعت تقريرًا لمحافظ عدن قبل ثلاث سنوات.

مشيرًا إلى أن اللجنة أكدت على مقترحات مهمة منها تعزيز الغطاء النباتي بأشجار الطاري (نخيل البهش) في الوادي الكبير، إنشاء مصدات ترابية أو جبيونات لتوجيه المياه بأمان، إعداد خرائط تفصيلية للمخاطر في المدن الساحلية ومنع البناء داخل مجاري الأودية وتفعيل القوانين.

وتنفيذ حملات توعية مستمرة للسكان حول مخاطر البناء العشوائي إضافة إلى توفير نظام إنذار مبكر للسيول في عدن.
  • تحديات تهدد التراث التاريخي
أسمهان
أسمهان
من جانبها، أكدت د. أسمهان العلس، أكاديمية وباحثة في التاريخ والتراث، أن التغيرات المناخية تُعد تهديدًا مباشرًا للمدينة التاريخية في عدن، وقالت: "التغيرات البيئية تؤثر على المعالم التاريخية التي فقدت الكثير من شواهدها بفعل الزمن، كما تتجمع مياه الأمطار حول أساسات المباني مما يؤدي إلى تآكلها وتضرر واجهاتها وتشرب جدرانها بالمياه".

وأضافت أن السيول قد تجرف السيارات والمنازل المتهالكة في المرتفعات المحيطة بالمدينة، وقد تتدهور الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، خاصة وأن بعضها تجاوز العمر الافتراضي. كما أن انتشار المباني العشوائية حول المدينة يزيد من مخاطر الانهيارات وحركات الجرف.


وحول مدى جاهزية الجهات المعنية لحماية التراث، قالت: "المراهنة على المؤسسات المسؤولة عن التدخل لحماية المواقع الثقافية مراهنة خاسرة، وتجارب الحرب السابقة خير مثال".

وأوضحت أن أبرز التهديدات المتوقعة تشمل:

تدهور المباني التاريخية بسبب الرطوبة وارتفاع الحرارة.

تآكل وتفتت مواد البناء القديمة.

ارتفاع المياه الجوفية وتملح التربة مما يضعف الأساسات.

تأثير الأمطار الغزيرة والسيول على البنية التحتية.

تراجع السياحة بفعل تدهور المواقع الأثرية.

فقدان الغطاء النباتي وزيادة التصحر.
  • الحلول المقترحة للتراث
طرحت العلس عدة حلول، منها تطوير خطط إدارة مخاطر الكوارث، دعم المشاريع المجتمعية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المواقع التاريخية، إضافة إلى التعاون الدولي لتوفير الدعم الفني والمالي.

وقالت في ختام حديثها: "مدينة عدن القديمة، بتراثها العريق، تحتاج إلى جهود حكومية ومجتمعية مشتركة للحفاظ عليها من هذه التحديات".

ختامًا، تظهر المعطيات أن التغيرات المناخية ليست خطرًا محتملًا فحسب، بل واقعًا يفرض نفسه على عدن اليوم، ويتضاعف مع استمرار البناء العشوائي على الجبال ومجاري السيول، وإهمال مواقع التراث. ورغم التحديات، تبقى الفرصة قائمة عبر قرارات جادة، وتفعيل القوانين، ومشاركة المجتمع في حماية المدينة.

فعدن ليست مجرد عمران، بل ذاكرة وتاريخ وهوية، وحمايتها واجب جماعي يحفظ ماضيها للأجيال القادمة ويؤمن مستقبلها.

ملاحظة:

أنتج هذا التقرير ضمن مخرجات دورة بناء القدرات الإعلامية للصحفيين والصحفيات في عدن حول التغير المناخي والطاقة المتجددة والتي تفذتها مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf) بالشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية مكتب اليمن.