في زمنٍ يضجّ بالاضطراب وتثقله أوجاع الحرب، يبحث الإنسان عن ملاذ يعيد إليه شيئًا من طمأنينته الأولى. ذلك الملاذ لم يكن يومًا قلعةً من حجر، ولا حصنًا من حديد بل كان ولا يزال "البيت".

"البيت" الذي تُصنع في أركانه النفوس، وتترعرع فيه قلوب أهل الوطن وتتشكل فيه القيم، ومنه تنطلق ملامح المستقبل.

ما أجمل وصف هذا البيت الذي يليق بالإنسان: "منزلي منزل الأنس والألفة، منزل الانشراح والانفراج، منزل الوحدة والاتّحاد، منزل الابتسام والابتهاج، ينبغي لكلّ من يدخل هذا البيت أن يسعد وينشرح صدره، إنّ هذا منزل النّور فلا بدّ أن تستنيروا"..

نعم إنه بيت يدخل إليه الناس مثقلين ويخرجون بقلوبٍ سعيدة، بيت يفيض نورًا، وكل من يدخله يشعر بالنور. ليست هذه الكلمات رغم بساطتها الظاهرية مجرد صورة شاعرية، بل قاعدة عميقة لبناء الأسرة والمجتمع معًا. فالأسرة المضيئة بالطمأنينة تُصبح مصدرًا للسلام الداخلي، ومن هذا السلام يتفرع سلوك الأفراد ويُستعاد التوازن في العلاقات الإنسانية، حتى تلك التي تتعرض للضغوط وتقلبات الحياة.

حين تقرر الأسرة أن تجعل من بيتها فضاءً للبهجة، فإنها بذلك تزرع في قلوب أبنائها ثقافة مختلفة: ثقافة تحترم الاختلاف، وتُعلّم أن الكلمة الطيبة ليست زينة الحديث بل أساس العمران الإنساني، وأن الضيافة ليست واجبًا اجتماعيًا بل فلسفةٌ في النظر إلى الآخر باعتباره شريكًا في الوجود. فالبيت الذي يفتح أبوابه للدفء، يفتح معها أبواب القلوب، ويعيد تشكيل العلاقات بين الناس على أساس المودة، ويمنح الغريب شعورًا بالانتماء حتى لو لم تجمعه بأهل البيت صلة دم.

وإذا جعلت كل أسرة من بيتها نموذجًا لـ بيت السلام، فإن المجتمع سيتحوّل، دون أن يشعر، إلى شبكة من البيوت المضيئة. يصبح الحوار فيه أقوى من الخصومة، والتعاطف أعمق من القسوة، والمشاركة أسبق من الإقصاء. وفي ظل هذه البيئة، يكبر الأطفال وهم محصّنون بمحبةٍ تجعلهم أقدر على رفض خطاب الكراهية، لأن قلوبهم تعوّدت على الفرح والاحترام والنور. فالمجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى بما يتلقاه الإنسان في بيته الأول، من كلمة، ونظرة، وموقف، واحتضان.

البيت اليمني العظيم..

إنه بلد التاريخ والإنسان والحكمة، وهو يحمل اليوم جرحًا عميقًا، لكن شفاء هذه "البلدة الطيبة" يبدأ من مكان يبدو بسيطًا "من البيت". من ضحكة تُطلق في وجه طفلٍ ارتاب من صخب الحرب، من يدٍ تُربّت على كتف جارٍ أنهكته الأيام، من مجلسٍ تتجاور فيه الأفكار دون خوف، ومن أسرةٍ قررت أن تكون بوابة نور لا بوابة صراع. لن يبني السلام بالجيوش والعتاد، بل تبنيه أمٌّ تُعلّم أبناءها أن الاختلاف جمال، وأبٌ يفتح باب بيته قبل أن يفتح باب قلبه، وأسرة ترى في كل ضيفٍ أخًا، مهما تباعدت المذاهب وتعددت الانتماءات.

وإذا أشرقت البيوت، أشرق الوطن. وإذا سكن النور في الأسرة، سكن السلام في المجتمع. ولهذا، فإن دعوتنا اليوم هي أن نعيد لبيتنا اليمني دفئه بأن يكون بيت سلام، مدرسة للتعايش، ومرآة للتسامح، ومهدًا تُزرع فيه بذور مستقبلٍ أكثر إنسانية ورحمة. فحين تتوهج البيوت بالطمأنينة، سيجد اليمن طريقه إلى الفجر من جديد.

ودمتم سالمين.