> عدن «الأيام» عبدالقادر باراس:

نظم مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بالعاصمة عدن صباح اليوم ندوة بعنوان "العدالة الانتقالية والإعلام"، تناولت خلالها مسؤولية الإعلام في إبراز مسار العدالة الانتقالية ونقل معاناة الضحايا والالتزام بأخلاقيات المهنة لتحقيق العدالة.

وأكد السيد أحمد سليمان، ممثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان باليمن، في كلمته الافتتاحية للندوة، أهمية الدور المحوري للإعلام في دعم قضايا العدالة الانتقالية، مشددا على مساهمة الصحافة والإعلاميين في تعزيز الوعي وتمكين المجتمع من التعامل مع تبعات الصراعات الماضية. موضحا أن العدالة الانتقالية تمثل مدخلا أساسيا لمساعدة المجتمعات على التصالح مع المستقبل عبر معالجة أحداث الماضي، خصوصًا في البلدان التي شهدت حروبًا وصراعات وانتهاكات لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن ما حدث في اليمن يجعل من هذا المسار ضرورة لإعادة النظر في الإجراءات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والمصالحة والمحاسبة عمّا جرى. وشدد على أن المصالحة القائمة على الاعتراف وتوثيق الذاكرة الجماعية تعد خطوة أساسية لضمان عدم تكرار الانتهاكات السابقة.

وبين سليمان أن دور الصحفيين في توثيق ما حدث يعد دورا محوريا من خلال تشكيل نظرة المجتمع للأحداث بالاستناد إلى الذاكرة الفردية والجمعية وإيصال الصورة الكاملة للوقائع. وأضاف أن الصحافة تتحمل مسؤولية كبيرة في نقل الحقيقة بصدق وشفافية ومنح الصوت للضحايا وإبراز قضاياهم.

وأشار إلى أن مسؤولية الإعلام تتعاظم في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ما يجعل من العمل الصحفي المهني حاجة ملحة لإظهار الحقيقة.

وأكد ممثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان باليمن تولي المفوضية اهتمامها الخاص بالشراكة مع الصحفيين من خلال تدريبهم وتوفير الحماية لهم، مشددًا على أهمية استمرار التعاون والعلاقة الوثيقة معهم دعما لمسار العدالة الانتقالية.


كما تحدث في الندوة وكيل وزارة الإعلام أيمن محمد ناصر عن دور العدالة الانتقالية والإعلام بالقول "أن للإعلاميين والصحفيين دورًا حيويًا في تأسيس عدالة انتقالية فاعلة خلال مرحلة المصالحة الوطنية وبناء سلام مستدام". موضحا إن الإعلام في مرحلة بناء السلام يجب أن يكون إعلاما ملتزما، يهدف إلى التصالح وطي صفحة الماضي، مشددًا على أهمية الاعتماد على الإعلام المهني المتخصص في قضايا العدالة الانتقالية لما له من دور في كشف وتوثيق الانتهاكات، ومساعدة المتضررين في إيصال أصواتهم إلى الجهات المختصة، وتشجيعهم على قول الحقيقة.

وأشار وكيل الإعلام إلى وجود تحديات تتعلق ببعض الصحفيين الذين انخرطوا في الاستقطاب السياسي وتجاوزهم للمهنة، منوها بأن بعضهم يسهم في بث ثقافة الكراهية والتأثير السلبي على الرأي العام. وأضاف أن هذه الانتهاكات غالبا ما تكون مرتبطة بأفراد أو جماعات تتصل بمراكز الصراع، وهو ما يفرض على الصحفيين مسؤولية وطنية وأخلاقية ومهنية للالتزام بالضوابط المهنية وقيم الدين والأخلاق.

قدمت في الندوة ثلاث أوراق، تناولت الورقة الأولى التي قدمها أ. جسار فاروق مكاوي، بعنوان "العدالة الانتقالية في اليمن عامة والجنوب خاصة - المفهوم، الآليات، الإشكاليات، ومسارات التفعيل" بين في ورقته مفهوم العدالة الانتقالية وآلياتها، كما اقتراح سياسات قابلة للتطبيق تستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وتطرق في ورقته إلى الواقع المركب في اليمن وتحدياته والآليات الدولية المعتمدة لتطبيق العدالة الانتقالية، إضافة إلى الإشكاليات التي تواجه العدالة الانتقالية في اليمن والجنوب. كما تضمنت الورقة رؤيةً نموذج تطبيقي للعدالة الانتقالية في اليمن عامة والجنوب خاصة.


وختم مكاوي، ورقته بجملة من التوصيات الموجهة للحكومة والسلطات المعنية، وللمجتمع المدني والإعلام. مؤكدًا بأن تحقيق العدالة الانتقالية في اليمن عامة والجنوب خاصة لم يعد خيارًا نظريًّا، بل ضرورة ملحة لإعادة صياغة علاقة المواطن بالدولة، وترميم شرعية المؤسسات، وبناء مجتمع قادر على تجاوز الماضي نحو مستقبل مستقر. ومشددًا على أن العدالة الانتقالية ليست مشروعا سياسيا بل هي حق للضحايا وركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة.

الورقة الثانية كانت بعنوان "دور الإعلام في العدالة الانتقالية" أعدها أ. علوي السقاف وقدّمها نيابة عنه إياد دماج. تناولت تعريفا.

للإعلام من زاوية العدالة الانتقالية وأهميته وارتباطه بالقانون ودوره الفاعل في تشكيل الوعي العام. كما تطرق الورقة إلى دور الإعلام في التوثيق ومسارات العمل في المادة الصحفية المهنية، إضافة إلى مسار المناصرة وتسليط الضوء على الانتهاكات وربط ذلك بمسار الذاكرة الوطنية، مستعرضًا أمثلة ودروسًا من التجارب الدولية.

وفي الورقة الثالثة تناول نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، عيدروس باحشوان، التحديات التي تواجه الصحفيين في تغطية قضايا العدالة الانتقالية، مشيرًا إلى أن بعض الصحفيين ما زالوا يعملون وفق أدوار وأجندات معينة حيث يمرر بعضهم تقارير غير دقيقة تستند إليها بعض المراكز والمنظمات والمؤسسات، الأمر الذي يشكل للأسف الشديد تحديًّا كبيرًا للإعلام في ظل الخلط بين المصارحة وإبراز المعلومات.

وأكد في ورقته أن هناك حاجة ملحة لإصلاح القطاع الإعلامي في هذه المرحلة "إذ ما زلنا نعيش في ظل أدوات إعلامية عبثت وحرضت وحرفت الحقائق. كما أوضح في ورقته أن نقابة الصحفيين الجنوبيين كانت من الجهات التي استهدفت بتقارير مسيئة صدرت عن عدد من المراكز والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان والحريات الصحفية، وقد استندت تلك التقارير إلى معلومات قدمتها جماعات يمنية مقيمة خارج البلاد، في هولندا والقاهرة وإسطنبول، سعت من خلالها إلى نشر تقارير مشوهة تستهدف نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين.

وشهدت الندوة التي أدارها كل من د. محمد صالح و أ. ناصر مثنى الشعيبي، مداخلات وملاحظات ركزت على أهمية تكامل الإعلام في مواكبة مسارات العدالة الانتقالية، وتعزيز الحوار المجتمعي وإجراء البحوث المعمقة إلى جانب إبراز دور الصحفيين وتطوير مهاراتهم في التعامل مع القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان.