> فردوس العلمي:
الحياة مراحل تتغير، وتمضي بنا الأيام من محطة إلى أخرى. نجتهد ونعمل بجد سنواتٍ طويلة، وفي آخر المطاف نغادر مواقع العمل حين نصل إلى مرحلة التقاعد. غير أن التقاعد ليس حالة واحدة؛ فهناك تقاعد يرفع صاحبه، وتقاعد يكسره.
أصعب ما يكون أن تكتب عن شخص أفنى حياته للآخرين، وحين احتاج إليهم كان في طيّ النسيان. قدم كل ما يملك من علم ومعرفة، وغرس القيم والأخلاق في تلاميذه، ولم يجد إنصاف.
في كثير من الدول النامية يُنظر إلى التقاعد كنهاية، بينما يُنظر إليه في الدول المتقدمة كبداية مرحلة جديدة من العمر. والفرق الجوهري ليس في الإنسان، بل في العدالة الاجتماعية، وقوة الأنظمة، واحترام سنوات العطاء.
المقارنة بين المتقاعدين في الغرب والمتقاعدين في العالم العربي شاسعة؛ فالأول تهتم بهم حكوماتهم، وتوفر لهم الرعاية، وتفتح أمامهم أبواب الترفيه والسفر ليعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة ونعيم، ينسون فيه تعب وشقاء سنوات العمل.
أما المتقاعد العربي، فلا يجد في الغالب من يقدّر سنوات عطائه في خدمة الوطن، ولا ينال سوى معاشٍ لا يسمن ولا يغني من جوع.
لمعرفة السبب، التقيت بصاحب الكشك وسألته: ما الذي جاء بك إلى هنا؟
ورغم كبر سنه، كان يقف بشموخ، يحارب من أجل لقمة العيش لأسرته.
قال: أتت بي الظروف القاسية. أنا متقاعد، وفتحت هذا الكشك لأستطيع مواجهة صعوبات الحياة.
ضحك ضحكةً امتزجت فيها المرارة بالوجع، وغسلتها الدموع وأضاف: أنا أب لخمسة أبناء؛ أربع بنات وولد.
كان هو من أوائل من حجزوا موقعهم في هذا السوق قبل أكثر من ثلاث سنوات. لم ييأس كما ييأس الآخرون، وكان على يقينٍ راسخ بأن الأرزاق بيد الله، فصمد حتى جاءت مؤسسة بديل، ليكون له نصيب في تحسين كشكه، ليواكب نمط بقية الأكشاك..
سألته عن عمله قبل التقاعد، فقال بفخر: كنتُ معلّمًا تربويًا.
عرّفني بنفسه: قال اسمي سيف صالح حيدر، في العقد السابع من العمر، واعمل في هذا الكشك منذ ثلاث سنوات.

وحين سألته ذكرياته؟
صمت قليلًا، وكأنه يستعيد ذاكرة مثقلة بالتاريخ، ثم تحدث بدموعٍ وحروفٍ يغلفها الوجع، قائلًا "في بداية العمر سافرت إلى الدوحة، والتحقت بحركة القوميين العرب، وكنا نحن الطلاب الجنوبيين نجتمع ونخرج في مسيرات أيام الكفاح المسلح. لنا شهداء؛ أخي وابن عمي. وأول علم للجنوب رُفع، رُفع فوق سطح منزلنا. الحمد لله أديت واجبي تجاه الوطن، وضحيت بكل شيء، والمهم أن يكون بلدنا لنا، ولا نريد أحدًا وصيًا علينا".
وأضاف:"عدت إلى عدن، وكان في تلك الفترة وزير التربية والتعليم المناضل عبدالله باذيب. ذهبت إليه وأخبرته أنني كنت طالب في قطر وأرغب في مواصلة الدراسة ولا أملك سكنًا ولا عملًا، فوجه رسالة إلى ثانوية الشعب بمدينة الشعب للبقاء في الداخلية وإكمال الثانوية. يقولها بجدية كانوا رجال دولة يقدّرون المسؤولية".
وقال "أكملت دراستي الثانوية، ثم التحقت بدار المعلمين، وتخرجت عام 1969م كمدرس وأول عمل لي كمدرسة كان في مدرسة لبعوس ، كوني من طلاب الأرياف، أرسلوني إلى هناك أديت واجبي في أكثر من مدرسة. وكان آخر عمل لي في مدرسة أروى بكريتر، كضابط إداري. قبل إحالتي إلى التقاعد.
يواصل سرد الذكريات وقال:"في بداياته، كمعلم درّس جميع المواد في مدرسة معربان التابعة لمديرية يهر، وكان أول من عُيّن فيها، بل كان المدرس الوحيد، إلى جانب قيامه بالأعمال الإدارية في المدرسة لمدة ثلاثة أشهر".
وعن رأيه في الأوضاع الحالية، قال بألم: الوضع سيئ من كل النواحي، خصوصًا الوضع التربوي.
أما نصيحته للشباب، فقال:"الله يعين الشباب، أصبحوا تائهين، فلا توجد جهة تتولى مسؤولياتهم أو تحتضن طموحاتهم."
وعن أمنيته، قال: "أمنيتي أن تعود إلينا دولة الجنوب، ولا تُحكم أرضنا بقوانين لا تشبهنا ولا تشبه تاريخنا، قالها بحرقة: " لا نريد ان تحكمنا قوانين الأمام أحمد".
لا تجد في هذا الكشك الكثير من أصناف البضاعة الأستاذ سيف بحاجة إلى مدى يد العون والمساعدة لشراء بضاعة، فأن كانت مؤسسة أصلحت له الكشك ننتظر أن نجد من يمده ببضاعة يعمل على بيعها في الكشك.
لم تكن رحلة الأستاذ سيف مجرد انتقال من قاعات التدريس إلى كشك صغير، بل شهادة حيّة على قسوة التقاعد حين يُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة الحياة. ورغم ثقل السنين وشحّ الموارد، لم يفقد كرامته، ولم تنكسر روحه؛ ظلّ معلّمًا في قيمه، وصابرًا في عطائه.
إن المتقاعدون في اليمن عامة وعدن على وجه الخصوص يعانوا حياة قاسية بعد التقاعد غالبًا يعتمد على راتب تقاعدي ضعيف، لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم ويعانوا من ضعف وغياب التأمين الصحي الشامل. لذا يتحملون تكاليف العلاج لهم ولأسرهم من دخله الشخصي. الخدمات الصحية الحكومية محدود.
يُنظر للمتقاعد كـ"خارج سوق العمل، تقل مشاركته المجتمعية وتضعف ولا يستفاد من خبراته. يعاني أحيانًا من العزلة وفقدان الشعور بالقيمة. يرمي على رف النسيان".
يعيش المتقاعد باقي العمر في صراع مركزا على تلبية الاحتياجات الأساسية. تقل فرص السفر والترفيه والهوايات. يعيش القلق من المستقبل والظروف الطارئة.
يعاني المتقاعدون من ضعف القوانين الحامية لحقوق المتقاعدين، إضافة إلى غياب جمعيات ضغط قوية تمثل المتقاعدين.
إن قصة الأستاذ سيف ليست حالة فردية، بل صورة موجعة لآلاف المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، ثم وجدوا أنفسهم في شيخوختهم بلا حماية اجتماعية حقيقية. يبحثون عن معاشاتهم من بين الصرافات يقفون طوابير طويلة في الحر وفي ضيق المكاني ويبقى السؤال المؤلم: كيف لمعلم أنشأ أجيالًا أن يشيخ ولا يجد من التكريم شيء ؟
ربما لا نملك تغيير الماضي، لكننا نملك — ولو بكلمة أو موقف — أن نعيد لهذا المعلم شيئًا بسيطًا مما أعطى.
ففي كشك صغير في سوق النساء، معلم ينتظر دفئًا يليق بقلبه، وكرامة تليق برسالته.
حين كان يحكي الأستاذ سيف حكايته، تذكرت قصة العالم العراقي الذي رُشح لجائزة عالمية، ولما نودي اسمه للتكريم، خرج وعاد بصحبة شيخ غزاه الشيب وبملابس رثاه كان يبيع الصحف بجوار القاعة، وأهداه الجائزة قائلًا: "هو من علّمني، وهو الأحق بها".
إن إنصاف المتقاعدين ليس منّة ولا ترفًا، بل حقٌّ أصيل وواجب أخلاقي.وإلى أن يُعاد الاعتبار لكل متقاعد، ستبقى مثل هذه القصص تذكّرنا بأن الكرامة لا تُحال إلى التقاعد، وأن العطاء الحقيقي لا ينتهي بختم نهاية الخدمة.
أصعب ما يكون أن تكتب عن شخص أفنى حياته للآخرين، وحين احتاج إليهم كان في طيّ النسيان. قدم كل ما يملك من علم ومعرفة، وغرس القيم والأخلاق في تلاميذه، ولم يجد إنصاف.
في كثير من الدول النامية يُنظر إلى التقاعد كنهاية، بينما يُنظر إليه في الدول المتقدمة كبداية مرحلة جديدة من العمر. والفرق الجوهري ليس في الإنسان، بل في العدالة الاجتماعية، وقوة الأنظمة، واحترام سنوات العطاء.
المقارنة بين المتقاعدين في الغرب والمتقاعدين في العالم العربي شاسعة؛ فالأول تهتم بهم حكوماتهم، وتوفر لهم الرعاية، وتفتح أمامهم أبواب الترفيه والسفر ليعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة ونعيم، ينسون فيه تعب وشقاء سنوات العمل.
أما المتقاعد العربي، فلا يجد في الغالب من يقدّر سنوات عطائه في خدمة الوطن، ولا ينال سوى معاشٍ لا يسمن ولا يغني من جوع.
في حفل تدشين ((سوق الوومن)) بمديرية صيرة في مدينة كريتر، لفت نظري أحد الأكشاك؛ لم يكن لامرأة، بل لرجل في العقد السابع من عمره. رسم الزمن ملامحه بدقة على وجهه، وأبيّض شعر رأسه وكان هو الرجل الوحيد بين النساء. فكان السؤال: لماذا يتواجد رجل في سوق نسوي؟
ورغم كبر سنه، كان يقف بشموخ، يحارب من أجل لقمة العيش لأسرته.
قال: أتت بي الظروف القاسية. أنا متقاعد، وفتحت هذا الكشك لأستطيع مواجهة صعوبات الحياة.
ضحك ضحكةً امتزجت فيها المرارة بالوجع، وغسلتها الدموع وأضاف: أنا أب لخمسة أبناء؛ أربع بنات وولد.
كان هو من أوائل من حجزوا موقعهم في هذا السوق قبل أكثر من ثلاث سنوات. لم ييأس كما ييأس الآخرون، وكان على يقينٍ راسخ بأن الأرزاق بيد الله، فصمد حتى جاءت مؤسسة بديل، ليكون له نصيب في تحسين كشكه، ليواكب نمط بقية الأكشاك..
سألته عن عمله قبل التقاعد، فقال بفخر: كنتُ معلّمًا تربويًا.
عرّفني بنفسه: قال اسمي سيف صالح حيدر، في العقد السابع من العمر، واعمل في هذا الكشك منذ ثلاث سنوات.
الأستاذ سيف صالح حيدر، أب لخمسة أبناء، وفي ظل الظروف الصعبة وقلة المعاش، لم يجد خيارًا سوى فتح كشك ليواكب متطلبات الحياة القاسية.

سيف صالح حيدر
وحين سألته ذكرياته؟
صمت قليلًا، وكأنه يستعيد ذاكرة مثقلة بالتاريخ، ثم تحدث بدموعٍ وحروفٍ يغلفها الوجع، قائلًا "في بداية العمر سافرت إلى الدوحة، والتحقت بحركة القوميين العرب، وكنا نحن الطلاب الجنوبيين نجتمع ونخرج في مسيرات أيام الكفاح المسلح. لنا شهداء؛ أخي وابن عمي. وأول علم للجنوب رُفع، رُفع فوق سطح منزلنا. الحمد لله أديت واجبي تجاه الوطن، وضحيت بكل شيء، والمهم أن يكون بلدنا لنا، ولا نريد أحدًا وصيًا علينا".
وأضاف:"عدت إلى عدن، وكان في تلك الفترة وزير التربية والتعليم المناضل عبدالله باذيب. ذهبت إليه وأخبرته أنني كنت طالب في قطر وأرغب في مواصلة الدراسة ولا أملك سكنًا ولا عملًا، فوجه رسالة إلى ثانوية الشعب بمدينة الشعب للبقاء في الداخلية وإكمال الثانوية. يقولها بجدية كانوا رجال دولة يقدّرون المسؤولية".
وقال "أكملت دراستي الثانوية، ثم التحقت بدار المعلمين، وتخرجت عام 1969م كمدرس وأول عمل لي كمدرسة كان في مدرسة لبعوس ، كوني من طلاب الأرياف، أرسلوني إلى هناك أديت واجبي في أكثر من مدرسة. وكان آخر عمل لي في مدرسة أروى بكريتر، كضابط إداري. قبل إحالتي إلى التقاعد.
يواصل سرد الذكريات وقال:"في بداياته، كمعلم درّس جميع المواد في مدرسة معربان التابعة لمديرية يهر، وكان أول من عُيّن فيها، بل كان المدرس الوحيد، إلى جانب قيامه بالأعمال الإدارية في المدرسة لمدة ثلاثة أشهر".
وعن رأيه في الأوضاع الحالية، قال بألم: الوضع سيئ من كل النواحي، خصوصًا الوضع التربوي.
أما نصيحته للشباب، فقال:"الله يعين الشباب، أصبحوا تائهين، فلا توجد جهة تتولى مسؤولياتهم أو تحتضن طموحاتهم."
وعن أمنيته، قال: "أمنيتي أن تعود إلينا دولة الجنوب، ولا تُحكم أرضنا بقوانين لا تشبهنا ولا تشبه تاريخنا، قالها بحرقة: " لا نريد ان تحكمنا قوانين الأمام أحمد".
لا تجد في هذا الكشك الكثير من أصناف البضاعة الأستاذ سيف بحاجة إلى مدى يد العون والمساعدة لشراء بضاعة، فأن كانت مؤسسة أصلحت له الكشك ننتظر أن نجد من يمده ببضاعة يعمل على بيعها في الكشك.
لم تكن رحلة الأستاذ سيف مجرد انتقال من قاعات التدريس إلى كشك صغير، بل شهادة حيّة على قسوة التقاعد حين يُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة الحياة. ورغم ثقل السنين وشحّ الموارد، لم يفقد كرامته، ولم تنكسر روحه؛ ظلّ معلّمًا في قيمه، وصابرًا في عطائه.
إن المتقاعدون في اليمن عامة وعدن على وجه الخصوص يعانوا حياة قاسية بعد التقاعد غالبًا يعتمد على راتب تقاعدي ضعيف، لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم ويعانوا من ضعف وغياب التأمين الصحي الشامل. لذا يتحملون تكاليف العلاج لهم ولأسرهم من دخله الشخصي. الخدمات الصحية الحكومية محدود.
يُنظر للمتقاعد كـ"خارج سوق العمل، تقل مشاركته المجتمعية وتضعف ولا يستفاد من خبراته. يعاني أحيانًا من العزلة وفقدان الشعور بالقيمة. يرمي على رف النسيان".
يعيش المتقاعد باقي العمر في صراع مركزا على تلبية الاحتياجات الأساسية. تقل فرص السفر والترفيه والهوايات. يعيش القلق من المستقبل والظروف الطارئة.
يعاني المتقاعدون من ضعف القوانين الحامية لحقوق المتقاعدين، إضافة إلى غياب جمعيات ضغط قوية تمثل المتقاعدين.
إن قصة الأستاذ سيف ليست حالة فردية، بل صورة موجعة لآلاف المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، ثم وجدوا أنفسهم في شيخوختهم بلا حماية اجتماعية حقيقية. يبحثون عن معاشاتهم من بين الصرافات يقفون طوابير طويلة في الحر وفي ضيق المكاني ويبقى السؤال المؤلم: كيف لمعلم أنشأ أجيالًا أن يشيخ ولا يجد من التكريم شيء ؟
ربما لا نملك تغيير الماضي، لكننا نملك — ولو بكلمة أو موقف — أن نعيد لهذا المعلم شيئًا بسيطًا مما أعطى.
ففي كشك صغير في سوق النساء، معلم ينتظر دفئًا يليق بقلبه، وكرامة تليق برسالته.
حين كان يحكي الأستاذ سيف حكايته، تذكرت قصة العالم العراقي الذي رُشح لجائزة عالمية، ولما نودي اسمه للتكريم، خرج وعاد بصحبة شيخ غزاه الشيب وبملابس رثاه كان يبيع الصحف بجوار القاعة، وأهداه الجائزة قائلًا: "هو من علّمني، وهو الأحق بها".
إن إنصاف المتقاعدين ليس منّة ولا ترفًا، بل حقٌّ أصيل وواجب أخلاقي.وإلى أن يُعاد الاعتبار لكل متقاعد، ستبقى مثل هذه القصص تذكّرنا بأن الكرامة لا تُحال إلى التقاعد، وأن العطاء الحقيقي لا ينتهي بختم نهاية الخدمة.


















