> المسيمير «الأيام» خاص:

تشير التطورات الميدانية المتسارعة في أكثر من جبهة إلى حالة ارتباك واضحة داخل صفوف جماعة الحوثي، وسط مؤشرات سياسية وعسكرية توحي بقرب مرحلة جديدة من المواجهة بتوحيد الجهود لاستعادة صنعاء، وتثبيت واقع سياسي وأمني جديد في الجنوب.

ففي محافظة لحج، صعّدت المليشيا الحوثية خلال اليومين الماضيين من عمليات القصف المدفعي مستهدفة مناطق قريبة من أحياء سكنية في مديرية المسيمير، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان، لا سيما النساء والأطفال، دون تسجيل إصابات. وبحسب مصادر محلية، سقطت القذائف على مقربة من منازل المواطنين، في تكرار لنهج ممنهج يهدف إلى الضغط على المدنيين ودفعهم للنزوح، وهي سياسة اعتادت المليشيا استخدامها كلما واجهت ضغوطًا ميدانية أو سياسية.

وتزامن هذا القصف مع تحركات عسكرية واسعة النطاق نفذتها الجماعة عبر إرسال تعزيزات كبيرة وغير مسبوقة إلى جبهات متعددة، في مقدمتها لحج وأبين والضالع وشبوة، إضافة إلى تعز ومأرب. ووصفت مصادر ميدانية هذه التحركات بأنها الأخطر منذ أشهر، نظرًا لتزامنها مع إعادة انتشار القوات الجنوبية وتثبيت الأمن في عدد من المحافظات، ونجاحها في ملاحقة التنظيمات الإرهابية وقطع خطوط التهريب البرية والبحرية.

وبحسب المعلومات، فإن حالة الاستنفار الحوثي باتجاه الجنوب تكشف مخاوف حقيقية من فقدان ممرات تهريب حيوية كانت تمثل شريانًا أساسيًا لإمدادات السلاح والمواد اللوجستية. وتتركز هذه المخاوف تحديدًا في المناطق الشرقية، مثل المهرة وصحراء وادي حضرموت، مرورًا بمأرب والجوف، وصولًا إلى مناطق سيطرة الحوثيين. وقد أسهم الانتشار الأخير للقوات الجنوبية ونجاح عملية «المستقبل الواعد» في المهرة وحضرموت في تعطيل هذه الخطوط، ما ضيّق الخناق على الجماعة وأفقدها هامشًا مهمًا للمناورة.

وأفادت المصادر بأن المليشيا شرعت خلال الأيام الماضية في حشد مجاميع قتالية كبيرة، بالتوازي مع أعمال تحصين شملت حفر خنادق وتعزيز مواقع عسكرية ونشر منصات صاروخية وطائرات مسيّرة، في مؤشر على استعدادات لفتح محاور ضغط متعددة باتجاه الجنوب. كما جرى نقل مدافع ثقيلة من جبهات تعز إلى مرتفعات الأحكوم الجبلية المحاذية لطور الباحة، ونشر أسلحة ثقيلة في خطوط التماس المتاخمة لمديرية المسيمير، انطلاقًا من مديرية ماوية شرقي تعز.

وتكشف هذه التحركات عن محاولة حوثية لفرض واقع ميداني ضاغط، خصوصًا بعد وصول تعزيزات جديدة تتبع ما يسمى بوزارة الدفاع في صنعاء، إلى جانب تشكيلات من الأمن المركزي والنجدة وحرس المنشآت، تحركت عبر مسارات تمتد من لحج والضالع وصولًا إلى شبوة، في مسعى لفتح جبهات متزامنة وإرباك الخصوم.

في موازاة ذلك، رصدت مصادر إعلامية استحداث ثكنات عسكرية ومنصات صواريخ في مرتفعات مديرية السياني جنوب محافظة إب، ضمن خطة لتعزيز السيطرة على الطرق الرئيسية وتأمين خطوط الإمداد. وأشارت المصادر إلى أن المليشيا أنشأت معسكرًا محصنًا في جبل المهلالة، بعد شق طريق إليه بذريعة مشاريع خدمية، قبل تحويله إلى موقع عسكري مغلق، في تكرار لأسلوبها القائم على التمويه.

ويرى مراقبون أن هذا النشاط المحموم، جنوبًا ووسطًا، يعكس قلقًا متزايدًا داخل قيادة الحوثيين من احتمال انطلاق عملية عسكرية واسعة، تشارك فيها القوات الجنوبية إلى جانب المقاومة الوطنية وقوى أخرى، ضمن مسار يستهدف صنعاء بشكل مباشر. ويأتي هذا القلق في وقت يتصاعد فيه الضغط الشعبي والحراك السياسي في العاصمة عدن، حيث تتجه الأنظار إلى خطوات مفصلية تتعلق بإعلان استقلال الجنوب، ما يضيف بُعدًا سياسيًا ضاغطًا على الجماعة.

وفي المقابل، يترافق التصعيد الحوثي مع توافق سياسي تقوده قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ممثلة بعضو مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المجلس عيدروس قاسم الزُبيدي، الذي شدد في أكثر من مناسبة على أولوية توحيد الجبهات خلف هدف تحرير صنعاء، وتثبيت الأمن والاستقرار، وتفادي الانزلاق إلى صراعات جانبية تستنزف الجهود.

ويعكس هذا التوافق، بحسب متابعين، إدراكًا متزايدًا بأن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا عاليًا بين المسار السياسي والميداني، في ظل سعي الحوثيين إلى إشعال الجبهات الجنوبية واستخدام أوراق الضغط العسكرية لعرقلة أي تحول استراتيجي يهدد نفوذهم. وبينما تمضي القوات الجنوبية في تعزيز انتشارها، تبدو الجماعة الحوثية أمام اختبار صعب، عنوانه فقدان المبادرة، ومحاولة تعويض ذلك بتصعيد يعكس أكثر مما يخفي حجم القلق والترقب داخل صفوفها.