> أ/ علي بن شنظور:

جاء بيان وزارة الخارجية السعودية الأخير بشأن التطورات في الجنوب، بما يحمله من لغة هادئة وحرص واضح على خفض التصعيد، ليفتح بابًا واسعًا أمام قراءة سياسية مسؤولة، لا تنطلق من ردود الأفعال، بل من إدراك دقيق لمعادلات المرحلة ومصالح الجنوب العليا.

فالبيان، رغم انتقاده للتحركات الميدانية لأنها كما قال جاءت بدون تنسيق مع التحالف فهو لم يدين تلك التحركات ويصطدم معها وهذه لغة دبلوماسية. لا يمكن للبيان أن يقول أن التحالف ومجلس القيادة كانوا على علم بتحرك القوات الجنوبية، لأن تلك القوات تحركت في النهار وليس في الظلام ورئيس مجلس القيادة رشاد العليمي حينها في عدن والمحافظ الخنبشي نفسه تسلم عمله وكان يتابع التحركات والبحسني أكد أن القوات ذاهبة لمهام تأمين حضرموت بعد ما كادت تحركات قوى أخرى تهدد بحرب داخلية حضرمية. ولم نسمع من يحذر من تحركات القوات.

لم ينفِ البيان وجود القضية الجنوبية، بل أقرّ صراحةً بأبعادها التاريخية والاجتماعية، مؤكدًا أن حلها يجب أن يتم عبر الحوار. وهذه نقطة مفصلية ينبغي البناء عليها لا القفز فوقها.
  • الجنوب اليوم… واقع مختلف
لقد بات واضحًا أن الجنوب يسيطر على أرضه ويمسك بواقعه الأمني والسياسي، في مقابل تآكل فعلي لدور "الشرعية" التي لم يعد حضورها يتجاوز التمثيل البروتوكولي الخارجي، بعد فشل مشاريع استعادة صنعاء وتحرير الشمال.

هذا الواقع الجديد يؤكد فشل وحدة 1990 عمليًا، ويضع الجميع أمام ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة صياغة الحل.

لكن تثبيت هذا الواقع لا يكون بأي اندفاع جديد يضيع ماهو تحت اليد ..بل باتباع حسن إدارة سياسية.. فمن ينحني للعاصفة حين قوتها يسلم من غبارها.
  • أهمية الاصطفاف الجنوبي وتحييد الصراعات الداخلية
إن أخطر ما قد يواجه الجنوب اليوم ليس الخارج، بل أي تصدّع داخلي. ومن هنا تبرز أهمية:

تعزيز الاصطفاف الجنوبي.

حماية وحدة القضية ووحدة الجغرافيا الجنوبية.

رفض الانجرار إلى أي مواجهات داخلية، أيًا كان عنوانها.

وفي هذا السياق، نؤكد على اتباع المرونة مع عمرو بن حبريش، فهو في الأخير حضرمي وجنوبي مهما حصل منه من موقف كاد يتسبب بتمزيق النسيج الحضرمي والجنوبي. لاسيما وقد تم استكمال السيطرة الأمنية على حضرموت وتأمينها من أي تمزق كاد يقضي عليها.

والدعوة الصريحة له ولغيره إلى الحوار القائم على:

احترام إرادة شعب الجنوب.

صون ثرواته وخيراته.

الالتزام بوحدة الجنوب وقضيته العادلة.

الحفاظ على حضرموت ضمن النسيج الجنوبي.

فالجنوب لن يُبنى إلا بالتوافق والتعايش.

الجنوب لكل وبكل أبنائه.

يدعو منبر عدن للحوار والسلام كل القوى الجنوبية المعارضة أو المتحفظة إلى العودة والمشاركة في بناء الجنوب، على قاعدة التصالح والتسامح والتعايش.

فالجنوب وطن جامع لكل أبنائه، بلا استثناء.
  • العلاقة مع التحالف… من إدارة الأزمة إلى ضمان الحل
إن البيان السعودي، بما حمله من مرونة وتنسيق مع دولة الإمارات، يوفّر فرصة سياسية مهمة يجب استثمارها عبر:

طلب ضمانات واضحة ومعلنة من الأشقاء في التحالف العربي.

إشراك الدول العظمى في رعاية مرحلة جديدة.

مرحلة تقوم على:

إعادة صياغة أسس المرحلة الانتقالية بجدول زمني محدد وواضح، غير مفتوح.

تمكين الجنوب من إدارة شؤونه وبناء دولته.

منح المجلس الانتقالي الجنوبي وشركائه من القوى المدافعة عن القضية الجنوبية مكانتهم الحقيقية في القرار السياسي، وفق معادلة الواقع على الأرض.

خارطة طريق لا إدارة مؤقتة.

المطلوب اليوم ليس إدارة وضع سياسي مفتوح بلا أفق، بل خارطة حل مُزمنة وواضحة تكفل للجنوب حقه في تقرير مصيره وإعلان دولته، بعد فشل الوحدة في الواقع.

كما تحفظ لقيادة التحالف العربي مكانتها كقائد للعملية العسكرية والسياسية في اليمن منذ عام 2015، بما يجنبهم أي تبعات لأي قرار أحادي جنوبي، فهم السند للجنوب، ولا نريد الاندفاع في قرار يجعل هذا السند يتخلى عنا.

وفي المقابل، يُترك للشمال اليمني – شعبًا وقوى سياسية – حقه في صياغة مستقبله، على قاعدة احترام خيارات الجنوب، ووقف أي خطاب تهديدي بحقه، وبناء أسس مستقبلية قائمة على:

المحبة الإخاء التعايش

المصالح المشتركة..

فمن أراد أن يعيش في الجنوب أو الشمال، يكون له الحق، ويأمن على نفسه وأهله وماله وعمله وتجارته، بأفضل مما نحن فيه اليوم من صراع وكراهية، بسبب فشل كل الحلول وتغييب قضية الجنوب.

فرصة تاريخية..

الجنوب اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة:

فإما تثبيت منجزاته بحكمة سياسية عالية، والحفاظ على ما تحقق، أو استنزافها في صراعات قادمة تستفيد منها القوى المناوئة لقضية الجنوب، والمتربصة بأي صراع مع الأشقاء والخارج الصديق.

الخلاصة..
إن البيان السعودي ليس خصمًا للجنوب، بل رسالة فيها مرونة ومدّ لحبل التواصل، وتحتوي على تحذير من مخاطر التصعيد.

والقيادات الحكيمة هي التي تعرف كيف تحوّل التحذير إلى فرصة، وتحمي مكاسب شعبها دون صدام مع الخارج، ودون انقسام في الداخل.

فلا نريد تكرار:

اندفاع الرئيس علي سالم البيض نحو وحدة 1990 دون ضمانات، ولا إعلان فك الارتباط في 1994 دون مقومات نجاح، ولا غرور نظام علي عبدالله صالح بعد حرب 1994، ولا صلابة صدام حسين في أزمة الخليج، ولا هدوء الرئيس عبدربه منصور هادي ونومة أهل الكهف.

ثقتنا بحكمة ومرونة وقيادة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي الرئيس عيدروس الزُبيدي ونوابه اللواء عبدالرحمن أبوزرعة المحرّمي واللواء الركن فرج البحسني،واللواء احمد سعيد بن بريك الذين يقودون التحولات في الجنوب في هذه المرحلة للخروج بأمان.

رسالة إلى الأشقاء في السعودية

أنتم السند للجنوب، ولا ينكر دوركم إلا جاحد.

لن نستغني عنكم، ولن تستغنوا عنا؛ فالجنوب خط الدفاع الأول للخليج والجزيرة العربية.

ونأمل ألا تؤثر على موقفكم أي قراءات غير مدروسة للوضع في الجنوب، فالجنوب لم يعتدِ على حق أحد، وقواته أحكمت السيطرة على أراضيه في وادي حضرموت والمهرة، ولم تأخذ شيئًا من أرض الشمال أو الجوار، بل كان وسيبقى سندًا للجميع.

القوى الوطنية من الشمال مرحب بها وتعيش في الجنوب، لكن مشكلتهم أنهم حوّلوا صراعهم مع الجنوب بدل العودة إلى العاصمة صنعاء.

إن تأجيل وضع حل لقضية الجنوب حتى تنتهي أزمة اليمن هو ما أوصل الجميع إلى هذا الوضع، فقضية الجنوب هي من تحدد مستقبل اليمن، فلماذا تأجيلها دون حلول؟

إن العودة إلى وضع ما قبل 30 نوفمبر المنصرم تمثل ضياعًا للجنوب، ولليمن، ولكم في التحالف، فقد ملّ الشعب من المعاناة والانتظار، ومات من الفقر، وهو يبحث عن سلام وحياة كريمة.

نسأل الله أن يهدي الجميع إلى طريق السداد وبرّ الأمان.

منبر عدن للحوار والسلام