- من الرمح إلى الكلمة.. ومن الحكمة إلى السياسة
هذا التحول لم يكن ترفًا فكريًا، بل استجابة تاريخية لخبرة بشرية طويلة أثبتت أن العنف، مهما بدا حاسمًا، لا يصنع نظامًا مستقرًا. فحين تُقصى الحكمة ويتراجع العقل أمام الانفعال، تتحول السياسة إلى سلسلة صدمات قصيرة العمر، تُنتج ضجيجًا أكثر مما تُنتج حلولًا، وتفتح أبوابًا للأزمات بدل أن تغلقها.
تكمن خطورة الشعبوية في أنها لا ترى في السياسة مسارًا تراكميًا، بل مشهدًا سريع التأثير. فهي تستبدل الإقناع بالحشد، والتوافق بالضغط، والشرعية بالهتاف. ومع الوقت، تتحول السياسة إلى عرض جماهيري يُقاس بعدد اللافتات وعلوّ الصوت، لا بعمق التمثيل أو متانة المشروع.
في هذا السياق، يُقدَّم الاستعراض بوصفه تفويضًا، والحشد بوصفه إجماعًا، والمزاج العابر بوصفه إرادة شعبية نهائية. وهو خلط بالغ الخطورة بين التعبئة والتمثيل، وبين اللحظة السياسية والبناء السياسي. فالهتاف قد يملأ ساحة، لكنه لا يبني دولة، ولا يحل تعقيد مجتمع، ولا يصمد أمام أول اختبار جدي للواقع.
- الشعبوية والديماغوجية: حين يُختصر الطريق بالقفز
الدولة ليست بيانًا، ولا خريطة تُرفع، ولا نصًا يُعلن في الهواء. الدولة عقد اجتماعي، وتوازن مصالح، وقبول متبادل، ومسار اعتراف داخلي وخارجي متدرج. وأي محاولة لاختصار هذه المراحل بالقوة الرمزية أو النفسية، تنتهي غالبًا إلى نتيجة واحدة: انهيار سريع، وارتداد مؤلم، وخسارة لا تقتصر على الفاعلين بل تمتد إلى جوهر القضية نفسها.
- القوة حين تُستدعى في غير موضعها
في المجتمعات المركّبة والحساسة، لا يُختبر المجتمع مرتين. وأي استخدام أرعن للقوة، أو فرض للأمر الواقع، لا يرسّخ النفوذ بل يسرّع فقدانه. وما شهدته الساحة اليمنية مؤخرًا يثبت أن القوة حين تنفصل عن الحكمة لا تحسم الصراع، بل تعمّقه، ولا تحمي المشروع، بل تكشف هشاشته البنيوية.
مساران متقابلان: الحكمة التي راكمت… والمغامرة التي بدّدت
المفارقة اللافتة أن القضية الجنوبية نفسها قدّمت في تاريخها الحديث نموذجًا أكثر رشدًا وعقلانية. فمنذ مظاهرات المكلا عام 1997، مرورًا بالتشكّل التدريجي للحراك الجنوبي السلمي، وصولًا إلى حراك «ارفض القهر» في عدن عام 2007، سلكت الحركة الجنوبية مسارًا طويل النفس، قائمًا على العمل السلمي، وتراكم الوعي، وبناء خطاب سياسي قابل للفهم والقبول.
ذلك المسار، رغم تعقيداته، استطاع عبر النضج السياسي أن ينتزع اعترافات ومقاربات متقدمة، تُوّجت بإقرار مبدأ الشراكة والندية، وبطرح الدولة الفدرالية الاتحادية، وبالمناصفة بين الشمال والجنوب ضمن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014). وهي مكاسب لم تأتِ بالاستعراض ولا بالمغامرة، بل بالصبر والعقل والعمل السياسي المنظّم.
في المقابل، كشفت التجربة الأخيرة أن المغامرة الشعبوية، مهما بدت صاخبة، لا تصمد طويلًا. فالصعود فيها سريع، لكن السقوط أسرع، والنتيجة ليست مجرد إخفاق سياسي عابر، بل شعور عام بالضياع والخزي والهوان، لا لأن القضية غير عادلة، بل لأن إدارتها افتقدت الحكمة.
- خلاصة
وفي اليمن، حيث تتشابك الجغرافيا بالهوية، والذاكرة بالأمن، والتاريخ بالسياسة، لن ينجو أي مشروع وطني إن لم يضع الحكمة في مركزه، ويُخرج السياسة من دائرة الاستعراض إلى فضاء البناء الرشيد، حيث تُقاس النجاحات بقدرتها على البقاء، لا بضجيج لحظتها.



















