> تقرير/ ريبيكا مولوجيتا:

​تحول البحر الأحمر الشريان الحيوي الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية عبر باب المندب، من كونه ممرًا تجاريًا إلى مركز صراع لإعادة ترتيب جيوسياسي محفوف بالمخاطر.

وبحلول أوائل عام 2026، لم يعد المشهد البحري يُعرف بالمرور البسيط، بل بتحالف متطور يُعرف باسم "تحالف الأمر الواقع" بقيادة المملكة العربية السعودية، بتنسيق استراتيجي مع تركيا ومصر وإريتريا والسودان والصومال، هذا المحور الناشئ، الذي ترسخ من خلال سلسلة من الاتفاقيات البحرية والتنسيقات العسكرية.

فمن خلال تأمين المداخل البحرية التي تتحكم فيها الدول الساحلية في البحر الأحمر، تهدف السعودية وشركاؤها إلى تحييد عقيدة "الاعتراف بالفعل" التي تهدد السيادة الإقليمية التقليدية وتشكل تحديا للاستقرار البحري.
ويكشف تشكّل هذا المحور عن براعة السعودية العملية كمُنسق مركزي. فقد نسجت السعودية شبكة من الشراكات عبر القرن الإفريقي وما وراءه، رابطة القوى الشمالية الكبيرة مثل تركيا ومصر بالدول الساحلية الجنوبية مثل إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان.

وما بدأ كمبادرة ثنائية من السعودية تحوّل سريعًا إلى جبهة متعددة الأطراف، منسقة من خلال القمم رفيعة المستوى وتبادل المعلومات الاستخباراتية والاتفاقات الاقتصادية. فتوافق الرئيس رجب طيب أردوغان العلني مع ولي العهد محمد بن سلمان، والإعلانات المشتركة بين القاهرة والرياض، وتتابع الاتفاقيات مع دول القرن الإفريقي، كلها تؤكد وحدة هذا المحور.

وبحلول أوائل عام 2026، تحوّل هذا الإطار من الكلام إلى الفعل، فمع تفعيل ميناء “لاسقوراي” وتمركز القوات التركية في ميناء بورتسودان التي تشير إلى النضج التشغيلي.

فدور السعودية كمهندس أمر لا جدال فيه، بدءًا بتدخلاتها الهادفة في القرن الإفريقي. ففي الصومال، اتخذ المحور شكلاً ملموسًا عندما أقرّت حكومة مقديشو اتفاقية بحرية شاملة مع الهيئة العامة للنقل السعودية. وتدمج هذه الاتفاقية الصومال في إمبراطورية الرياض اللوجستية، وتوجه الاستثمارات إلى ميناء لاسقوراي في بونتلاند كتحالف فيدرالي مباشر.

وقد بني ذلك على استضافة الرياض لوزير الخارجية الصومالي ورئيس جهاز المخابرات الوطنية مهدي صلاد، ممهدًا الطريق لزيارة الرئيس حسن شيخ محمود الأخيرة، حيث جرى توقيع اتفاقيات دفاعية شملت نقل أسلحة، وبرامج تدريب، ومراكز دمج للاستخبارات، بما يجسد الدعم السعودي في اليمن، بل وأنه ملائم لوحدة الصومال الفيدرالية.

وجنبًا إلى جنب مع الصومال، عمّقت السعودية علاقاتها مع جيبوتي، التي تُعد جابي رسوم المضيق، والتي تستضيف قواعد أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية. وأسفرت مشاورات سفير جيبوتي في الرياض عن صفقات دبلوماسية خاصة بالموانئ، بما يضمن أن النفوذ الاقتصادي السعودي بدأ يبني شراكات مع دول المنطقة. وهذا التوافق يؤمن وفاء جيبوتي في أمن البحر الأحمر، ويجعلها الحارس للنقطة الحرجة للمحور.

في الوقت نفسه، تلقت إريتريا مساعدات مالية كبيرة من الرياض في خضم تصاعد نزاعاتها الحدودية. فبعد أن كانت معزولة لفترة طويلة تحت عقوبات الأمم المتحدة حتى عام 2018، تستفيد موانئ أسمرة الاستراتيجية مثل مصوع الآن من الأموال السعودية الموجهة للإعداد. فهذه التكاملات في القرن الإفريقي، أي في الصومال وجيبوتي وإريتريا، تشكل الحصن الجنوبي للمحور، الممول والذي يدار من خزائن السعودية.

ويجسد دمج السودان مزيدًا من التنسيق السعودي. فقد مالَت الرياض تاريخيًا نحو قوات السودان المسلحة في الحرب الأهلية في الخرطوم، مقدمة الدعم المالي الذي يُقدّر بمئات الملايين. هذا التمويل يدعم عمليات القوات المسلحة السودانية حول بورتسودان كبوابة حيوية للبحر الأحمر.

وبحلول أوائل عام 2026، تكثفت المساعدات السعودية، متماشية مع أهداف المحور لتأمين الاستفادة السودانية من البحر الأحمر من خلال سيطرة القوات المسلحة السودانية.

إن تكامل تركيا في هذا المحور الذي تقوده السعودية يرسخ الجبهة الشمالية، والذي جرى تشكيله من خلال تناغم غير مسبوق بين الرياض وأنقرة. حيث أكد الاتصال الأخير بين أردوغان وولي العهد السعودي صراحة على استعداد تركيا لتعميق التعاون، مع التركيز على “مراقبة التطورات في الصومال” وتسهيل المصالحة اليمنية.

وقد بني ذلك على التواجد التركي الطويل في مقديشو: إذ يتضمن قاعدة عسكرية ضخمة، وهي أكبر منشأة تركية خارج البلاد، وقد دربت أكثر من 10,000 من القوات الصومالية ونشرت طائرات مسيرة من طراز "بيرقدار تي بي تو" ضد حركة الشباب. وكانت تصريحات أردوغان خلال الحوار مع محمد بن سلمان حول أن"حماية الوحدة الترابية للصومال أمر بالغ الأهمية" قد عبرت عن روح الخطاب السعودي، مشيرة إلى الدفاع المتزامن عن الوحدة الفدرالية. وجاء التصعيد الجريء لتركيا مع قاعدة بورتسودان، ليوفر للقوات المسلحة السودانية فضاءات للإصلاح ومراكز لوجستية ودعمًا عملياتيًا.

وتعزز هذه الخطوة محور السودان التركي وتعمد النفوذ التركي في سياسات البحر الأحمر.
وترى مصر أن ارتباط إثيوبيا بأرض الصومال هو امتداد لأزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير، وتزيد إسرائيل من توتر هذا الوضع: من خلال عقد صفقات أسلحة شملت طائرات "هيرون" المسيرة لإثيوبيا، إلى جانب إجراء محادثات بشأن ممر سكة الحديد “حيفا-أديس أبابا” التي تتجاوز جيبوتي، والتي تهدد أولوية قناة السويس والنفوذ في البحر الأحمر. وقد جذبت التطمينات السعودية حول الشراكات الاستراتيجية مصر، مما جعلها محور القوة الدبلوماسية في هذا المحور.
"هورن ريفيو"