قراءة تحليلية لدلالات استضافة الرياض لمؤتمر الحوار الجنوبي، باعتباره لحظة سياسية مفصلية لإعادة تنظيم التمثيل الجنوبي وربطه بحل وطني شامل، بما يؤسس لتسوية خلاقة تُنهي إرث ستة عقود من الصراع وتفتح أفق الدولة الاتحادية العادلة.
تمهيد: الجنوب بين فائض الذاكرة وضرورة الدولة
ليست الدعوة إلى مؤتمر حوار جنوبي في الرياض حدثًا إجرائيًا عابرًا ولا مناورة سياسية ظرفية، بل لحظة سياسية كاشفة لتراكم تاريخي ثقيل امتد لأكثر من ستة عقود من الصراعات والانقطاعات وسوء إدارة التعدد داخل الجنوب نفسه، قبل أن يكون مع الشمال. فمنذ ما بعد الاستقلال، ظل الجنوب أسير سرديات الصراع والانقسام، وتحوّلت الذاكرة السياسية إلى عبء يُستدعى لتبرير الإقصاء أكثر مما تُستثمر لبناء الدولة.
وخلال تلك العقود، لم يُطرح سؤال الدولة بوصفه سؤالًا تأسيسيًا جامعًا، بل جرى تفريغه لصالح مقاربات سلطوية أو أيديولوجية ضيقة، أدارت الصراع بدل حسمه، وأعادت إنتاج الانقسام بدل تجاوزه. وهكذا، تراكبت مظلومية حقيقية مع إخفاق بنيوي في إدارة التعدد، فانفتح الباب أمام دورات متتالية من العنف السياسي.
من هنا، تأتي أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي اليوم لا بوصفه منصة نقاش إضافية، بل باعتباره محاولة متأخرة – لكنها ضرورية – لإعادة طرح سؤال الدولة والتمثيل والشرعية من داخل الجنوب نفسه، وبمنطق سياسي جديد يسعى إلى تحويل الذاكرة من عبء إلى مورد، ومن ماضٍ صراعي إلى أفق تأسيسي.
فالشرعية، حين تُختزل في بعدها القانوني المجرد، تتحول إلى أداة نزاع بين النخب، وحين تُفصل عن التمثيل الحقيقي، تفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار. أما حين تُبنى على شراكة واسعة، وتُترجم إلى مؤسسات جامعة، فإنها تتحول إلى مظلة وطنية قادرة على احتواء الخلاف.
من هذا المنظور، لا يمكن تصور عقد اجتماعي جديد بمعزل عن الشرعية، ولا عبر القفز عليها أو استبدالها، بل عبر تطويرها وتوسيع قاعدتها التمثيلية، بما يجعلها إطارًا مرنًا وقادرًا على استيعاب التحولات.
لقد عرف الجنوب، في مراحل مبكرة، تجارب انتخابية وتمثيلية واعدة في عدن، وأشكالًا من المشاركة المحلية في حضرموت ولحج وأبين. غير أنه، بدل البناء عليها وتطويرها، جرى التنكّر لها بعد الاستقلال، وتسويق نماذج من “التمثيل التعبوي” والمجالس المعيّنة عبر انتخابات شكلية، ما أفضى إلى إفراغ السياسة من مضمونها.
ومع تراجع التمثيل الحقيقي، تحوّل الخلاف السياسي إلى صراع صفري، وتحوّلت الدولة إلى أداة بيد فئة، لا إطارًا جامعًا للجميع. وهكذا، لم تعد المشكلة في غياب الدولة، بل في اختطافها، وهو ما أعاد إنتاج العنف في كل محطة مفصلية.
ويكتسب ما أشار إليه صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، دلالة سياسية بالغة الأهمية، حين أكد أن مخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي ستُفضي إلى لقاء يمني وطني أوسع، يستوعب الطروحات المتوافق عليها شمالًا وجنوبًا، ويقود إلى وثيقة سياسية –دستورية متكاملة يُبنى عليها الدستور العتيد للدولة الاتحادية الفدرالية الجديدة المنشودة في اليمن.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل الحوار الجنوبي من كونه آلية تهدئة داخلية إلى كونه جزءًا من هندسة سياسية شاملة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المكوّنات اليمنية على أساس التمثيل الواسع لا موازين القوة، وتُستعاد فيها فكرة الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا فوق الانقسامات والولاءات الضيقة.
كما أن البيئة التي ينعقد فيها الحوار اليوم تختلف جذريًا عن كل المحطات السابقة، إذ باتت أكثر انسجامًا مع أفق ديمقراطي ممكن، في ظل تمدّد نفوذ الدولة، وتعزيز مبدأ حصرية السلاح بيدها، والشروع في تفكيك التشكيلات المسلحة ذات الطابع الميليشياوي المرتبطة بأي تكوين سياسي، بما يحدّ من منطق التمثيل بالقوة ويفتح المجال أمام مقاربة سياسية مؤسسية.
ويعيد هذا الربط الاعتبار لحقيقة جوهرية طالما جرى تهميشها، وهي أن الدعوة إلى إقامة الكيان الوطني الجامع، بدولته المدنية الاتحادية الفدرالية، ليست تصورًا طارئًا ولا فكرة مستوردة، بل أطروحة جنوبية بإمتياز ومنتج جنوبي المنشأ دون منازع، أكدتها الرؤى الرصينة والرائدة لجيل الآباء المؤسسين للقضية الوطنية اليمنية في عدن والجنوب منذ أكثر من قرن من الزمان.
خاتمة: من إدارة الصراع إلى صناعة الدولة
إن مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، برعايته الإقليمية الحكيمة، يمثل فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة، عبر الشراكة والتمثيل والمؤسسات والاحتكام السياسي. وحين تُستعاد هذه القواعد، يصبح السلام المستدام ممكنًا، وتُفتح الطريق أمام الدولة الاتحادية العادلة التي طال انتظارها.
تمهيد: الجنوب بين فائض الذاكرة وضرورة الدولة
ليست الدعوة إلى مؤتمر حوار جنوبي في الرياض حدثًا إجرائيًا عابرًا ولا مناورة سياسية ظرفية، بل لحظة سياسية كاشفة لتراكم تاريخي ثقيل امتد لأكثر من ستة عقود من الصراعات والانقطاعات وسوء إدارة التعدد داخل الجنوب نفسه، قبل أن يكون مع الشمال. فمنذ ما بعد الاستقلال، ظل الجنوب أسير سرديات الصراع والانقسام، وتحوّلت الذاكرة السياسية إلى عبء يُستدعى لتبرير الإقصاء أكثر مما تُستثمر لبناء الدولة.
وخلال تلك العقود، لم يُطرح سؤال الدولة بوصفه سؤالًا تأسيسيًا جامعًا، بل جرى تفريغه لصالح مقاربات سلطوية أو أيديولوجية ضيقة، أدارت الصراع بدل حسمه، وأعادت إنتاج الانقسام بدل تجاوزه. وهكذا، تراكبت مظلومية حقيقية مع إخفاق بنيوي في إدارة التعدد، فانفتح الباب أمام دورات متتالية من العنف السياسي.
من هنا، تأتي أهمية مؤتمر الحوار الجنوبي اليوم لا بوصفه منصة نقاش إضافية، بل باعتباره محاولة متأخرة – لكنها ضرورية – لإعادة طرح سؤال الدولة والتمثيل والشرعية من داخل الجنوب نفسه، وبمنطق سياسي جديد يسعى إلى تحويل الذاكرة من عبء إلى مورد، ومن ماضٍ صراعي إلى أفق تأسيسي.
- الشرعية والعقد الاجتماعي… من النص إلى الوجدان
فالشرعية، حين تُختزل في بعدها القانوني المجرد، تتحول إلى أداة نزاع بين النخب، وحين تُفصل عن التمثيل الحقيقي، تفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار. أما حين تُبنى على شراكة واسعة، وتُترجم إلى مؤسسات جامعة، فإنها تتحول إلى مظلة وطنية قادرة على احتواء الخلاف.
من هذا المنظور، لا يمكن تصور عقد اجتماعي جديد بمعزل عن الشرعية، ولا عبر القفز عليها أو استبدالها، بل عبر تطويرها وتوسيع قاعدتها التمثيلية، بما يجعلها إطارًا مرنًا وقادرًا على استيعاب التحولات.
- الجنوب وتجربة الحكم… مأزق التمثيل الحصري
لقد عرف الجنوب، في مراحل مبكرة، تجارب انتخابية وتمثيلية واعدة في عدن، وأشكالًا من المشاركة المحلية في حضرموت ولحج وأبين. غير أنه، بدل البناء عليها وتطويرها، جرى التنكّر لها بعد الاستقلال، وتسويق نماذج من “التمثيل التعبوي” والمجالس المعيّنة عبر انتخابات شكلية، ما أفضى إلى إفراغ السياسة من مضمونها.
ومع تراجع التمثيل الحقيقي، تحوّل الخلاف السياسي إلى صراع صفري، وتحوّلت الدولة إلى أداة بيد فئة، لا إطارًا جامعًا للجميع. وهكذا، لم تعد المشكلة في غياب الدولة، بل في اختطافها، وهو ما أعاد إنتاج العنف في كل محطة مفصلية.
- الرياض ورعاية اللحظة السياسية
ويكتسب ما أشار إليه صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، دلالة سياسية بالغة الأهمية، حين أكد أن مخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي ستُفضي إلى لقاء يمني وطني أوسع، يستوعب الطروحات المتوافق عليها شمالًا وجنوبًا، ويقود إلى وثيقة سياسية –دستورية متكاملة يُبنى عليها الدستور العتيد للدولة الاتحادية الفدرالية الجديدة المنشودة في اليمن.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل الحوار الجنوبي من كونه آلية تهدئة داخلية إلى كونه جزءًا من هندسة سياسية شاملة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المكوّنات اليمنية على أساس التمثيل الواسع لا موازين القوة، وتُستعاد فيها فكرة الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا فوق الانقسامات والولاءات الضيقة.
كما أن البيئة التي ينعقد فيها الحوار اليوم تختلف جذريًا عن كل المحطات السابقة، إذ باتت أكثر انسجامًا مع أفق ديمقراطي ممكن، في ظل تمدّد نفوذ الدولة، وتعزيز مبدأ حصرية السلاح بيدها، والشروع في تفكيك التشكيلات المسلحة ذات الطابع الميليشياوي المرتبطة بأي تكوين سياسي، بما يحدّ من منطق التمثيل بالقوة ويفتح المجال أمام مقاربة سياسية مؤسسية.
- الربط بين الحوار الجنوبي والمسار الوطني الشامل
ويعيد هذا الربط الاعتبار لحقيقة جوهرية طالما جرى تهميشها، وهي أن الدعوة إلى إقامة الكيان الوطني الجامع، بدولته المدنية الاتحادية الفدرالية، ليست تصورًا طارئًا ولا فكرة مستوردة، بل أطروحة جنوبية بإمتياز ومنتج جنوبي المنشأ دون منازع، أكدتها الرؤى الرصينة والرائدة لجيل الآباء المؤسسين للقضية الوطنية اليمنية في عدن والجنوب منذ أكثر من قرن من الزمان.
خاتمة: من إدارة الصراع إلى صناعة الدولة
إن مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، برعايته الإقليمية الحكيمة، يمثل فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة، عبر الشراكة والتمثيل والمؤسسات والاحتكام السياسي. وحين تُستعاد هذه القواعد، يصبح السلام المستدام ممكنًا، وتُفتح الطريق أمام الدولة الاتحادية العادلة التي طال انتظارها.



















