​لم تكن الإشارة التي نشرتها صحيفة "الأيام" في زاوية ((لوجه الله)) مجرّد صرخة وجدانية بل كانت تنبيهًا أخلاقيًا و سياسيًا في آنٍ واحد .. تنبيهًا يقول إن أخطر ما يهدد عدن اليوم ليس فقط سوء الإدارة أو تضارب النفوذ بل غياب الفعل العدني المنظم القادر على تحويل الألم إلى موقف و الشكوى إلى مشروع.

و انطلاقًا من المسؤولية السياسية و القانونية أضمّ صوتي إلى ما ورد في صحيفة الأيام العدنية لا بوصفه رأيًا صحفيًا عابرًا بل قراءة واعية تنسجم مع أسس الحكم الرشيد و مبدأ عدم الإقصاء و حق المجتمعات المحلية – وفقًا للمنطق الدستوري و الفقه السياسي المستقر – في التعبير عن مصالحها و تمثيل نفسها ضمن أي حوار أو تسوية  باعتبار ذلك شرطًا لازمًا للاستقرار لا خيارًا قابلًا للتجاوز .. عدن ليست مدينة عادية في المعادلة الجنوبية هي العاصمة و الواجهة و المختبر الأول لأي تجربة سياسية قادمة .. و حين تفشل عدن في إدارة شؤونها يفشل الجنوب كله في إقناع نفسه والآخرين بجدية مشروعه من هنا.. فإن الحديث عن عدن لا ينبغي أن يُختزل في توصيف الأزمات بل يجب أن ينتقل إلى تفكيك أسبابها و الأهم  اقتراح مسارات واقعية لمعالجتها.

التجربة الجنوبية بكل محطاتها تُظهر أن الإقصاء كان دائمًا مقدمة للانفجار إقصاء الكفاءات إقصاء الشراكة و إقصاء المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها  و عدن كانت الضحية الأوضح لهذا النمط  مدينة تُدار غالبًا باعتبارها ((غنيمة سياسية)) أو((موقع نفوذ)) لا باعتبارها كيانًا له خصوصيته الاجتماعية و تكوينه المدني و تاريخه الإداري المختلف عن بقية المحافظات .. غير أن القراءة المنصفة تقتضي الاعتراف بأن المشكلة لم تكن خارجية فقط فغياب إطار عدني جامع و تشتت الأصوات و الاكتفاء بالمواقف الفردية كل ذلك سهّل تمرير سياسات لم تكن في مصلحة المدينة ومع مرور الوقت تحوّل هذا الغياب إلى أمر شبه طبيعي و كأن عدن قد قُدّر لها أن تكون دائمًا بلا ممثل حقيقي يتحدث باسمها .. اليوم يفرض الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده في الرياض واقعًا جديدًا فالدعم الإقليمي و الدولي لهذا المسار و الرغبة المعلنة في ترتيب البيت الجنوبي يفتحان المجال لإعادة تعريف العلاقة بين الجنوب و محافظاته على أساس الشراكة لا الوصاية و التمكين المحلي لا الإدارة المركزية المشوّهة وهذا التحول إن كُتب له النجاح لن يكون ممكنًا دون حضور منظم لعدن يعبّر عنها لا بوصفها ((عاصمة صامتة)) بل كطرف واعٍ يعرف ما يريد و ما لا يقبل به.

المطلوب هنا ليس ردّة فعل انفعالية ولا تكتلًا صداميًا بل بناء إطار عدني عقلاني يستند إلى منهجية واضحة تتمثل في  (تحديد المشكلة و صياغة المطالب و ترتيب الأولويات) إطار يفهم أن عدن لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بل إلى إدارة رشيدة و تمثيل مسؤول و خطاب سياسي يوازن بين حقوق المدينة و مصلحة الجنوب ككل ..  إن تشكيل تكتل عدني مستقل لا يعني الانعزال عن المشروع الجنوبي بل على العكس هو شرط من شروط إنجاحه فالمشاريع الكبرى لا تقوم على التذويب بل على الاعتراف بالتنوع و تنظيمه و كل محافظة جنوبية تمتلك اليوم صوتًا أو أكثر يدافع عن خصوصيتها فلماذا تبقى عدن وحدها بلا مظلة جامعة رغم أنها الأكثر حساسية و تأثيرًا ؟ إن الإشارة التي (أطلقتها صحيفة الأيام) ينبغي أن تُفهم كدعوة للانتقال من مرحلة الوعي بالمشكلة إلى مرحلة هندسة الحل هندسة تقوم على جمع العقول قبل الأسماء وبناء الثقة قبل التمثيل ووضع خطوط واضحة تمنع تكرار أخطاء الماضي و في مقدمتها تحويل عدن إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات لا تنتهي .. في السياسة من لا ينظم نفسه يُنظم به الآخرون و عدن بتاريخها و ثقلها لا يجوز أن تبقى رهينة لهذا المنطق إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة هادئة و حكمة لا تُجامل و إرادة عدنية تقول بوضوح.. نريد شراكة حقيقية و إدارة مسؤولة و مستقبلًا يُبنى بإرادة أهل المدينة لا بالنيابة عنهم.