هرمنا من أجل هذه اللحظة، لا لأنها أولى محطات النضال، بل لأنها قد تكون أخطرها وأهمها معًا: مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي، وما يتصل به من استحقاق سياسي أكبر يتمثل في مؤتمر الرياض.
لحظة يُفترض أن ينتقل فيها الجنوبيون من مربع الشعارات إلى مربع الرؤية، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن ردّ الفعل إلى صناعة القرار.
إن أهمية هذه المؤتمرات لا تكمن في انعقادها بحد ذاتها، بل في ما سينتج عنها: هل ستكون محطة لتجميع الصف الجنوبي على قاعدة وطنية واسعة؟ أم تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الإقصاء واحتكار التمثيل باسم قضية عادلة؟.
هي قضية شعب كامل: سياسيين، مقاومين، حراكيين، مستقلين، أكاديميين، قبائل، شباب، ونساء.
لقد جرّب الجنوب منطق التفرد من قبل.. وكانت النتيجة: انقسامات، صراعات، وتبدد الفرصة التاريخية.
المطلوب من هذا المؤتمر ليس: إعلان انتصار وهمي، ولا تخوين المخالف، ولا تسجيل نقاط سياسية.
المطلوب هو رؤية واضحة وواقعية تقوم على: تعريف مشترك للقضية الجنوبية وأهدافها المرحلية، وآلية شراكة حقيقية في القرار، لا شراكة شكلية في الصور، وخطاب سياسي ناضج يخاطب الداخل الجنوبي أولًا، ثم الإقليم والعالم، والانتقال من لغة التعبئة إلى لغة المشروع.
فرصة للانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الحلول، ومن لغة السلاح إلى لغة السياسة، ومن رهانات المليشيات إلى رهان الإرادة الشعبية الحرة.
إن أي حل عادل لقضيتنا الجنوبية لا يمكن أن يُبنى على الاستقواء بالمليشيات، ولا على فرض الأمر الواقع بالقوة، ولا على توظيف المعاناة الجنوبية في صراعات إقليمية أو مشاريع خارجية.
فالجنوب ليس ورقة تفاوض بيد أحد، ولا “حصان طروادة” لتمرير مخططات لا تخدم أهله ولا مستقبله، بل قضية وطنية عادلة يجب أن تُدار بعقل سياسي مستقل، وبإرادة جنوبية خالصة، وبخطاب مسؤول يدرك تعقيدات الداخل وحساسية الإقليم وتشابك المصالح الدولية.
إن أخطر ما قد يواجه هذه المؤتمرات هو أن تتحول إلى مهرجانات تأييد، أو غطاء لشرعنة احتكار التمثيل، أو مناسبة لتبادل الخطب بدل تبادل الضمانات.
نختلف، نعم.. لكننا لا نتخون. نتنافس، نعم.. لكننا لا نلغي بعضنا. ونحمل القضية، لا نستخدمها.
هذه لحظة اختبار للوعي السياسي الجنوبي، إما أن نثبت أننا أهل لقيادة قضية عادلة، أو نُقنع العالم أننا عاجزون عن إدارة خلافاتنا.
اجعلوها بداية طريق، لا نشرة بيانات. ومشروع وطن، لا ملكية فصيل.



















