> تقرير/ فردوس العلمي:

  • مدرسة الطويلة.. 11 عامًا من الانتظار والغياب
  • مدرستا الضياء والعيدروس.. ازدحام يقتل جودة التعليم
  • تحويل مدرسة إلى مجمع صحي.. قرار بلا بدائل تعليمية
> في عدن، لم يعد النزوح حكاية بشرٍ فقط، بل امتد ليطال المدارس، تلك المساحات التي يُفترض أن تكون أكثر الأماكن استقرارًا وأمانًا. فحين تنزح المدرسة، يضيع معها التعليم، وتتآكل فرص الطلاب في نيل العلم، وتُستنزف طاقات المعلمين والإدارات المدرسية في صراع يومي من أجل البقاء لا من أجل التطوير.

هنا، يصبح السؤال مؤلمًا: ماذا يمكن أن تقدمه مدرسة نازحة داخل مدرسة أخرى؟ وهل يمكن للتعليم أن ينهض وسط هذا التكدس والإهمال؟.

وحاليًا يعمل مجلس الآباء والأمهات مع قيادة التربية والتعليم بمديرية صيرة لإيجاد الحلول اللازمة، بالنزول للمدارس للاطلاع على اوضاع المدارس في مديرية صيرة، ورصد الصعوبات والمعوقات التي تؤثر على سير التعليم، حيت تم صباح  أمس النزول إلى مدرستي الطويلة ومدرسة العيدروس اللتان تشهدان ظاهرة مقلقة تتمثل في نزوح المدارس،  فمدرسة الطويلة نازحة إلى روضة الصهاريج في الطويلة، ومدرسة الضياء النازحة إلى مدرسة العيدروس.

هذا النزوح لم يكن مؤقتًا كما يُفترض، بل تحوّل إلى واقع مزمن أثقل كاهل العملية التعليمية وأفرغها من مضمونها.

فمدرسة الطويلة، على سبيل المثال، تعيش حالة نزوح منذ أكثر من 11 عامًا بحجة الترميم وإعادة التأهيل، دون أن تتمكن الإدارة أو الطلاب من العودة إلى مبناهم الأصلي.

ومنذ عام 2015، تم تحويل مبنى مدرسة الضياء إلى مجمع صحي لمعالجة جرحى الحرب في منطقة العيدروس، لتُترك المدرسة وطلابها في حالة تيه مستمر..

اليوم، تمارس مدرسة الطويلة عملها داخل روضة أطفال، حيث يبدأ دوام الروضة من الساعة الثامنة صباحًا وحتى التاسعة، ليبدأ بعدها دوام المدرسة من الساعة 9:30 صباحًا، أي أن اليوم الدراسي لا يتجاوز ساعة ونصف إلى ساعتين كحد أقصى.

فماذا يمكن أن يُقدم للطلاب في هذا الوقت الضيق؟ وكيف يمكن للأطفال، في أولى خطواتهم التعليمية، أن يبنوا أساسًا معرفيًا سليمًا في ظل هذا الاضطراب؟.

الأمر لا يتوقف عند تقلص الزمن التعليمي، بل يمتد إلى عدم ملاءمة البيئة المدرسية؛ ففصول الروضة صغيرة، صُممت لأطفال بأحجام صغيرة، ولا تتناسب مع طلاب من الصف الأول حتى التاسع. كما أن أعداد الطلاب تفوق قدرة الفصول الاستيعابية، ما يخلق ازدحامًا خانقًا يؤثر على التحصيل والانضباط معًا.

وتعاني المدرسة من نقص حاد في الإمكانات الأساسية، إذ لا تتوفر:

كتب مدرسية كافية أو مكتبة مدرسية ولا شاشات عرض أو غرف وسائل تعليمية ولا مختبر علمي، رغم وجود طلاب في الصفوف السابع والثامن والتاسع الذين بحاجة ماسة للتجارب الفيزيائية والكيميائية.

أما الساحة المدرسية فهي ضيقة جدًا، لا تسمح بأي نشاط رياضي أو ترفيهي، في حين تشكّل الحمامات المشتركة بين مدرستين معاناة يومية بسبب الضغط الكبير..

ويضاف إلى ذلك مشاكل الكهرباء، حيث تعرضت العديد من الأجهزة للتلف، بما فيها الميكروفونات وأدوات الإذاعة المدرسية.

ولا يختلف حال مدرسة الضياء كثيرًا، إذ تواجه هي الأخرى معوقات كبيرة، أبرزها الاكتظاظ الشديد في الفصول الدراسية، ما يحول دون تقديم تعليم سليم ويلقي بآثار نفسية وتعليمية سلبية على الطلاب والمعلمين على حد سواء.

إن نزوح المدارس وما يرافقه من تكدس للطلاب داخل الفصول، ونقص زمن الحصة الدراسية، وغياب الوسائل التعليمية، يؤدي إلى:
- تدنّي مستوى التحصيل العلمي.
- ضعف استيعاب الطلاب للمناهج.
- ارتفاع معدلات التسرب والغياب.
إنهاك المعلمين وفقدان الحافز المهني.
- حرمان الطلاب من الأنشطة والتجارب العملية.
- تأثيرات نفسية سلبية على الأطفال، خاصة في المراحل الأولى من التعليم.

وبذلك، لا يخسر الطالب يومًا دراسيًا فقط، بل يخسر فرصة لبناء مستقبله.

إن تقاسم مدرسة واحدة على مدرستين مؤلم جدا وفيه الكثير من الإشكاليات الذي تعيق العملية التعليمية ولم تعد بمدرسة بل الوضع أشبه بشقة تسكنها تتقسمان الوقت أو أشبه بسفينة لها قبطانين
وبدلًا من انشغال إدارة المدرستين بالأمور الإدارية وتقديم جودة أفضل في التعليم رغم الجهود الجبارة التي تبذل من المعلمين والإدارة المدرسية، لكن الظروف المحيطة  تدفعهم للانشغال بالمشاكل الجانبية فأتلاف حنفية أو كسر زجاج نافدة يخلق مشكلة وكل طرف يدعي أن طلاب الطرف الآخر هم السبب.

الأمر الأكثر مرارًا التأثير على العملية التعليمية عندما كانت المدرستين منفصلتين كان هناك أربعة فصول للصف الأول في مدرسة العيدروس ومثلها في الضياء يعني ثمانية فصول وبمتوسط عدد الطلاب بالصف بين 30 إلى 40 طالبًا.

وأما الان فبدلًا من ثمانية فصول أصبحت أربعة فصول فقط وبمتوسط عدد طلاب 60 طالبًا وطبعا كل تربوي يدرك الفرق بين 30 طالبًا و60 طالبًا.

 على الجهات المعنية أن تسعى إلى إيجاد الحلول الرامية إلى تحسين البيئة التعليمية في مدرستي الضياء ومدرسة الطويلة، الطلاب والإدارات المدرسية وحتى لا نرى أهالى الطلاب والطلاب والادارات المدرسية في وقفة احتجاجية للمطالبة بعوده مدارسهم والعودة إلى صفوفهم.

إن ما تعانيه مدارس عدن النازحة ليس مجرد مشكلة إدارية عابرة، بل قضية تعليمية وإنسانية تمس حاضر الأطفال ومستقبل المدينة بأكملها. فالتعليم لا يمكن أن يزدهر في بيئة مؤقتة، ولا يمكن لطفل أن يحلم وهو محاصر بضيق المكان وضيق الوقت وضيق الإمكانات.

إن إعادة تأهيل المدارس المتوقفة، وعودة المدارس النازحة إلى مبانيها الأصلية، لم تعد ترفًا ولا مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة ملحّة لإنقاذ ما تبقى من التعليم في عدن. فالأطفال الذين يُحرمون اليوم من حقهم في تعليم لائق، هم خسارة الوطن غدًا.